للحرب تُجّار.. وحقيبة "النزوح" فرَغَت!
تاريخ النشر : 2023-12-18 08:20

رفح- رشا أبو جلال

وضعت أم محمد بدران يدها على جبينها، وجحظت عيناها ذهولًا بعدما تلقّت من أحد تجار الملابس أسعار بعض القطع الشتوية التي تحتاجها لتدفئة أجساد أطفالها، مع زيادة برودة الطقس في ظل حربٍ طاحنة بدأت قبل أكثر من شهرين.

صرخت أم محمد بصوتٍ مضطرب في وجه البائع: "ما هذا الاستغلال؟! أربعون شيقلًا ثمنًا لبجامة شتوية لطفلٍ رضيع! ليجيبها البائع بتمرّد: "هذا الموجود، مش عاجبك لا تشتري".

تقول أم محمد التي نزحت مع عائلتها المكونة من ٧ أفراد من مدينة غزة لمدينة رفح جنوبًا: "لا يتجاوز سعر هذه القطعة في الوضع الطبيعي أكثر من ١٥ شيقلًا، وفي أسوء الأحوال ٢٠ شيقلًا، ولكن أن يصل سعرها لما قاله هذا البائع! هذا جنون واستغلال لا يطاقان".

تركت أم محمد البائع وهي تتمتم بكلماتٍ غير مفهومة. لقد بدا عليها الغضب وعدم القبول بما وصلت إليه أسعار البضائع في سوق رفح، حيث تضاعفت عدة مرات بسبب الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة المستمرة منذ السابع من أكتوبر الماضي.

وأوضحت أن أسعار الملابس الباهظة في الأسواق، جعلتها في حيرةٍ من أمرها، في ظل عدم مقدرتها على توفير بعض الملابس الشتوية لأطفالها، مشيرةً إلى أن أطفالها لا يزالون يرتدون ملابسهم الصيفية التي نزحوا بها، الأمر الذي يبقيهم عرضةً للإصابة بأمراض البرد والانفلونزا.

ويتهم المواطنون، -خاصة النازحون من شمال وادي غزة إلى جنوبه- التجار بالاستغلال والتربح غير الشرعي، في ظل عدم وجود جهاتٍ رقابية محلّية، من خلال مضاعفة أسعار البضائع التي أصبحت شحيحةً للغاية في الأسواق، بسبب إغلاق الاحتلال معابر القطاع.

بالنسبة إلى البائع خليل الذي تجادل مع أم محمد حول أسعار بضاعته من الملابس، فقال: "هذه السيدة لديها كل الحق في الاعتراض على الارتفاع الجنوني في الأسعار، ولكن أنا وغيري من البائعين لا نتحكم بالأسعار كما يعتقد الجميع".

وألقى الحصري اللوم على المستوردين وأصحاب المخازن، الذين يحتكرون السلع ويفرجون عن جزءٍ منها كلما أصبحت شحيحةً ومفقودةً في الأسواق، بهدف رفع ثمنها.

وأضاف: "على سبيل المثال، كان سعر الجملة لبجامة الأطفال الشتوية قبل الحرب لا يتجاوز ١٠ شواقل، الآن أقوم بشراء نفس القطعة من أولئك المستوردين بثمن ٣٥ شيقلًا".

ودعا الحصري الجهات الرقابية إلى محاسبة أولئك التجار، الذين يستغلون حاجة الناس خلال هذه الحرب في تحقيق أرباح كبيرة.

ارتفاع الأسعار في الأسواق العامة لا ينحصر على الملابس فقط، بل يشمل كافة البضائع، وخاصةً المواد الغذائية التي تعدُّ أهم احتياجات النازحين.

ورصدت "نوى" خلال جولة بسيطة قامت بها في سوق رفح، أسعار بعض المواد الغذائية والخضروات، إذ بلغ سعر كيلو البندورة خمسة شواقل بعد أن كان لا يتجاوز اثنين قبل الحرب، فيما بلغ سعر الخيار 8 شواقل للكيلو الواحد، بعد أن كان سعره شيقلًا ونصف فقط.

وبلغ سعر علبة خميرة الخبز ٤٥ شيقلًا، بعد أن كان سعرها سبعة شواقل فقط، فيما وصل سعر كيس الدقيق (وزن ٢٥ كيلو) إلى نحو ٣٠٠ شيقل، بعد أن كان سعره ٣٠ شيقلًا قبل الحرب.

تقول السيدة زينب راضي (٤٢ عامًا) وهي نازحة من شمال قطاع غزة إلى مدينة رفح: "هذه الأسعار الفظيعة أفقرتنا، ولم نعد نملك المزيد من المال لشراء احتياجاتنا".

وأوضحت أن أسرتها التي تسكن حاليًا في حي السلام، لا تتلقى طرود المساعدات الغذائية بشكل يكفي حاجة أفرادها البالغ عددهم تسعة.

وأضافت: "أصبح شراء بعض الخضار البسيطة التي تكفي ليوم أو يومين كحد أقصى، يكلف نحو ٥٠ شيقلًا. هذا المبلغ كان يكفي لشراء كميةٍ من الخضار تسد احتياجات أسرتي لنحو أسبوعٍ وأكثر قبل الحرب".

وبينت راضي أن ما يزيد الطين بلة، هو أن زوجها الذي يملك ورشة لتصليح السيارات في مدينة غزة، بات عاطلًا عن العمل، ودون دخل مادي بسبب الحرب والنزوح، الأمر الذي يقرب أسرتها من مجاعةٍ حقيقية، مع قرب نفاد الأموال التي لديها.

من جانبٍ آخر، يرجع أبو رامي قشطة صاحب مصنع خياطة في مدينة رفح، ارتفاع الأسعار إلى أسباب بعيدة عن استغلال التجار واحتكارهم للبضائع.

ويقول: "الأسعار ترتفع وتنخفض بموجب معيار العرض والطلب، فكلما زاد الطلب وقل العرض في سلعةٍ ما، يرتفع سعرها تلقائيًا، والعكس صحيح".

وأوضح قشطة أن أسعار أصنافٍ كثيرةٍ من البضائع المحلية المعروضة حاليًا في الأسواق، مرتبطٌ بارتفاع تكلفة إنتاجها في ظل عدم توفر السولار الذي يُستخدم لتشغيل مولدات الطاقة، مع استمرار انقطاع الكهرباء عن قطاع غزة، أو توفره بأسعار باهظة.

وأضاف: "عندما نعلم أن سعر جالون السولار يبلغ ٦٠٠ شيقل، بعد أن كان لا يتجاوز سعره في الوضع الطبيعي ٩٠ شيقلًا، حينها نعرف لماذا أسعار السلع مرتفعة".