كل لحظةٍ من لحظات الحرب كانت "حكايةً" عاشتها الطفلة ميس على كرسيّها المتحرك. في إطار النافذة الكبيرة كانت ترقب حركة الطائرات الحربية الإسرائيلية التي كانت تلغم سماء قطاع غزة، وتسأل نفسها في كل مرة: "دور من يا ترى؟".
نعم، صار للموت "طابورٌ" ينتظر! تمرُّ "إسرائيل" على مئات المنازل بطائراتها فتطبقها على رؤوس أصحابها. يرحل الأحباب جماعات، وقد ينجو بعضهم "فُرادى" ليعيدوا سرد القصص المرة على مسامعنا من جديد، نحن الذين نجونا حتى إشعارٍ آخر.
بدت ميس النجار (13 عامًا)، قويةً في أول حديثها حتى انهارت فجأةً وصرخت: "كنا خمس شقيقات، واحدة متزوجة، واثنتان تنتظران موعد زفافهما. قُتلت واحدة منهن وبقيت أنا لأزُف نهال وحيدة".
في الحرب لا تعرف بداية القصص، هل من قصف المنزل؟ أم من رحلات النزوح المتتالية؟ أو ربما في محطة الاستهداف الأخيرة؟ نهال ومنة ونور وميس، كُنَّ برفقة أمهن لحظة استهدافٍ إسرائيلي وقع في قلب معسكر جباليا، بعد أن أجبرن على ترك منزلهن الذي قصف وسوي بالأرض، ويقع في منطقة المخابرات شمالي غرب مدينة غزة.
تقول ميس: "صحيح أن من يُقصف لا يسمع صوت الصاروخ". استيقظَت على نفسها جريحةً في المستشفى، لا تعرف مصير شقيقاتها وأمها اللاتي نُقلن إلى عدة مستشفيات حتى عثر عليهم أحمد، شقيقهم الكبير، ثم بدأ بجمع شمل الجريحات منهم بعد دفن الأختين "منة ونور".
تضيف: "كل ما أذكره، أننا قبيل القصف بلحظات، كنا نجلس مع عائلتنا من أبناء الأعمام والعمّات. كلنا نازحين في منزل جدتي، نتبادل مشاعر الخوف من هول ما يحدث تحت حمم القصف التي لم تهدأ أبدًا".
وتخبرنا بأنهن في "وضعية الحرب" -بحسب وصفها- لم تكن الفتيات يخلعن حقائبهن من فوق ظهورهن! يحملن ذكرياتهن وكل ما استطعن أخذه من منازلهن، كذلك لتسهيل التعرف عليهن في حال قُصِف المنزل، وسقطوا جرحى أو كانوا في عِداد الشهداء.
وقع القصف حقيقةً؛ طارت منة على سطح منزلٍ مجاور وتفتت جسدها، وانتشلت نور جثةً هامدةً من تحت الركام. طارت الأم أيضًا 12 مترًا إلى منطقةٍ مجاورة، فاحترق وجهها وأجزاءً من جسدها أيضًا.
وأما ميس، فقد تضرر عصب عينها اليسرى. استيقظت على نفسها وفي ساقها جهاز بلاتين.
ولنهال قصة حزينة ترويها ميس الصغيرة: "يا ويلي، نهال لم ينتبه أحد لها تحت الركام، ظهرت يداها وكان المنقذون دونما قصد يدوسونها بأقدامهم. لم تستطع الصراخ، لم تستطع طلب النجدة. تنفست الرمال، وقلبها تحطّم من شدة الألم، وهرولة الناس فوق الحجارة التي أطبقت على صدرها".
أخذت نهال تحرك الحجارة من فوقها، وتُركت وحيدةً حتى استطاعت النهوض ثم الزحف، إلى أن انتبه لها أحدهم، وحينها أنقذت روحها.
تقول الطفلة: "استشهد أولاد عمي، والكثير من أقاربي النازحين بنفس المنزل، واستشهدت شقيقتاي. ما زلت أسمع صوت القصف حتى في لحظات الهدوء القليلة. أصرخ ولا أسيطر على نفسي، لكنني أحاول من أجل ماما ونهال".
ولعلّ أكثر ما يرعبها، يوم انتهاء الحرب. حين تتأكد أنها سترجع من مدينة خانيونس إلى غزة، دون أن تجد منزلًا يؤويها. دون أن ترى وجهي منة ونور، وحين تتأكد أنه لم يعد هناك زفاف كانت تتجهز له شقيقتها العروس في نوفمبر. "يا ليت الحرب تموت، ويا ليت الأرض تكتفي بهذا القدر من الدم" تختم.
