أحلام حماد غزة – نوى/فلسطينيات
في ممرٍ ضيقٍ أمام غرفةٍ صفيةٍ داخل مدرسةٍ تابعةٍ لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، بمدينة رفح، جنوبي قطاع غزة، يبدو العالم في نظر المصرية ريناد سليمان صغيرًا للغاية.
لقد ضاقت عليها الدنيا بما رحبت، منذ أن اضطرت إلى النزوح من منزلها في منطقة "ساحة الشوا" بمدينة غزة، على وقع إنذاراتٍ إسرائيلية وتهديدات لسكان غزة وشمالها، بالنزوح إلى النصف الجنوبي من القطاع.
ريناد (43 عامًا)، متزوجة من فلسطيني، تركتهُ خلفها في منزلها بمدينة غزة، إلى جوار والده الثمانيني الذي يعاني من داء "الزهايمر"، وتقول لـ"نوى": "عندما اشتد القصف من حولنا، واقترب الخطر مع التوغل البري لقوات الاحتلال، اختار زوجي أن أنجو بنفسي وبناتنا إلى جنوب قطاع غزة، واختار هو أن يبقى ملازمًا لوالده المريض".
زوج ريناد نفسه يعاني من تبعات عملية قلبٍ مفتوح أجراها قبل شهر واحد من اندلاع الحرب في السابع من شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي، الأعنف على مدار السنوات الــ 15 الماضية، التي شهدت 5 حروب، فضلًا عن عشرات جولات التصعيد.
تقول: "ما نتعرض له اليوم في غزة هو حرب إبادة، والعالم يتفرج علينا بصمت". تقيم ريناد برفقة بناتها الخمسة، وشقيقتها التوأم هناء مع بناتها الأربع وولديها، في ظل ظروف تكرر وصفها بـ "المأساوية"، وسط افتقار لأبسط مقومات الحياة الأساسية.
وتضيف: "أصبحت حياتنا كلها عبارة عن طابور، سواءً للحصول على الخبز أو المياه أو المتوفر من الطعام".
وبحسب "أونروا" فإن 780 ألف نازح لجأوا إلى مراكز الإيواء في مدارسها، غالبيتهم في مناطق جنوب قطاع غزة، في حين تواجه الوكالة الأممية تحديات كبيرة من أجل تأمين الحد الأدنى من احتياجاتهم الأساسية، كالمأكل والمشرب.
ووفقًا لريناد فإن حصتها وأسرتها يوميًا عبارة عن "زجاجة مياه واحدة، وعبوة طعام معلب واحدة، لكل 4 أشخاص، في حين نُضطر إلى البحث عن الخبز والطعام والمياه، وهي أمور مهمة، لكنها أصبحت شبه مستحيلة في ظل الحرب والحصار" تزيد
ومع اندلاع الحرب، فرضت دولة الاحتلال حصارًا مطبقًا على القطاع المحاصر أصلًا منذ منتصف العام 2007م، ومنعت عنه كل الإمدادات الإنسانية من كهرباء ووقود ومياه وسلع غذائية، وبموجب اتفاق ثلاثي مع مصر والولايات المتحدة الأميركية، سمحت بتدفق مساعدات شحيحة عبر معبر رفح البري، باستثناء الوقود.
وتبدأ مهمة الشقيقتان ريناد وهناء في البحث عن خبز عند الساعة الثالثة فجرًا. تضيف ريناد: "نأخذ ورقة برقم دورنا في الطابور أمام باب المخبز، وبعد ساعات طويلة نحصل على كمية من الخبز تكفينا ليوم واحد فقط".
وتزداد معاناة ريناد مع هذا الواقع المأساوي في مركز الإيواء كونها مريضة بالغضروف، وكان من المقرر أن تجري عملية جراحية رابع أيام الحرب في مستشفى الشفاء بمدينة غزة، لكن ولتداعيات الحرب، تم إلغاء عمليتها والعمليات المجدولة في غالبية مستشفيات القطاع، التي تفرغت لمجابهة الأعداد المهولة من الجرحى.
وأصبحت النجاة من هذه الحرب الدموية المدمرة أسمى أمنية لريناد وهناء بأسرتيهما، وقد حاولوا السفر إلى مصر عبر معبر رفح، عندما تم فتحه أمام أصحاب الجنسيات الأجنبية والمصرية، غير أن محاولتيهما للسفر باءت بالفشل، مرة بسبب القصف الإسرائيلي في محيط المعبر، ومرة ثانية بذريعة أن أسماءهم ليست مدرجة في كشف السفر.
وتنتظر هناء بلهفةٍ تدخلًا من الحكومة المصرية لإجلائهم من غزة، وحمايتهم من موتٍ يشعر كل إنسان في القطاع أنه يقترب منه أكثر فأكثر، وأنه معرض للاستهداف المباشر في كل لحظة.
وتقول هناء لـ "نوى"، وهي التي عايشت حروبًا كثيرة وجولات تصعيد متكررة على مدار السنوات الماضية: "إن الحرب هذه المرة بلا خطوط حمراء، ولا حصانة فيها لأحد، والكل معرض للموت وللدمار، فأغلب ضحايا هذه الحرب من النساء والأطفال، الذين انهمرت عليهم الصواريخ ودمرت المنازل فوق رؤوسهم من دون تحذير أو سابق إنذار".
ليس الموت وحده ما تخشاه هناء، وإنما الأوبئة والأمراض، الناجمة عن الاكتظاظ الشديد داخل مراكز الإيواء، من دون رعاية صحية، أو نظافة، التي تترافق مع سوء التغذية بالنسبة للأمهات والأطفال، وهو ما أشارت إليه وزارة الصحة في غزة ومنظمات حقوقية، وقد ظهرت بالفعل مؤشرات على الجفاف بالنسبة للأطفال.
وجرّاء هذا الاكتظاظ تستقبل مستشفى الشهيد أبو يوسف النجار، يوميًا، أطفالًا من النازحين يعانون من الإعياء الشديد والإسهال وارتفاع درجات الحرارة، بحسب رئيس "لجنة الطوارئ الصحية" في رفح الدكتور مروان الهمص، الذي قال لـ "نوى": "إن الاكتظاظ الشديد وتدني الرعاية الطبية في مراكز الإيواء وسوء التغذية، وقلة النظافة الشخصية، كلها معطيات تنذر بتفشي الأمراض والأوبئة، ولدينا خشية كبيرة من انتشار الكوليرا".
وتشير التقديرات إلى أن 300 ألف نازح من مدينة غزة وشمالها، لجأوا إلى مدينة رفح، وأقاموا في منازل لدى الأقارب والأصدقاء، وفي مراكز الإيواء التابعة لـ "أونروا"، واضطروا كذلك إلى فتح مدارس حكومية، بسبب الأعداد المتزايدة من النازحين.
