في طريقها إلى المدرسة، يقطع طريق سجى صوفان، وأشقاءها، عدد من المستوطنين الذين يتعمدون تعطيلهم وإخافتهم قبل دوام المدرسة. تقول: "يحدث ذلك كل يوم. أنا لا أخشاهم أبدًا، لكن أشقائي صغار، يلتصقون بي أحيانًا ويبكون".
ليس غريبًا أن يبكي الأطفال أثناء مشاهدتهم قطعان المستوطنين في الشارع، أو قرب المدرسة، فالذاكرة لديهم ممتلئة بمشاهد اعتداءاتهم المتكررة، سواء على منزل العائلة، أو على المواطنين أثناء تواجدهم قرب مصادر الرعي.
تقطن عائلة سجى في تجمع وادي السيق عند السفوح الشرقية لجبال رام الله وسط الضفة الغربية، الذي يضم ضمن حدوده 40 عائلة. ما يقارب 300 مواطن يسكنون المنطقة منذ ما يزيد على 50 عام، ويتعرضون للاعتداءات المتكررة من قبل المستوطنين في البؤر والمستوطنات القريبة، بهدف ترحيلهم قسرًا.
بين الحين والآخر، يقتحم المستوطنون منزل عائلة سجى الذي لطالما صمد أمام محاولات إفراغه من سكانه، حتى لقبت صاحبته بحارسة الجبل.
ولا تنسى سجى مشاهد الاقتحامات، ومحاصرة المستوطنين للمنزل على الدوام. تخبرنا: "صياحهم وصراخهم، وأصوات طرقاتهم على الأبواب والشبابيك، وكلابهم التي لا تتوقف عن النباح، لا تكاد تغادر رأسي أبدًا".
بدوره، يقول مصعب صوفان: "منزل أمي مهدد منذ سنوات. ولا أنسى يوم وفاتها كيف أضيئت السماء بالقنابل الضوئية من قبل المستوطنين المحتفلين بموتها! لقد هيأ لهم خيالهم أنهم سيتمكنون من السيطرة على المنزل بعدها، لكن ما بدأته أمي، ومعها أبي، سنكمله نحن".
يدرك مصعب وعائلته جيدًا معنى أن يسيطر المستوطنون على هذا المنزل، "هذا يعني أن جبلًا يبدأ في بورين، ويمتد إلى قرية مادما، وينتهي بقرية عصيرة القبلية، سيصبح في أيدي المستوطنين. سنكون أمام كتلٍ استيطانية جديدة، وسيطرة كاملة على الأرض والماء ومصادر الري والرعي".
بأسى يقول: "كثيرةٌ هي المناسبات التي يضطر أحدنا للغياب عنها كي يبقى في المنزل. المستوطنون ينتظرون فرصةً يجدون فيها المنزل فارغًا ليسيطروا عليه".
ويضيف: "حياتنا غير عادية، حتى أطفالنا لا يجرؤون على اللعب خارج المنزل خوفًا من تعرض المستوطنين لهم، ما جعلنا نحاول أن نبني سورًا يحمينا، ويمنح أطفالنا شيئًا من الحرية والأمان".
في مطلع العام الحالي، أقيمت بؤرة استيطانية جديدة في وادي السيق، لا تبعد عن المدرسة الوحيدة بالتجمع سوى 200 متر، ويقيم فيها مستوطنٌ واحد. منذ ذلك الحين تغيرت أحوال السكان الذين يعتمدون في حياتهم على الرعي وتربية المواشي -وفق ما يشير عبد الرحمن كعابنة- ممثل تجمع وادي السيق، الذي لفت إلى أن البؤر الاستيطانية تحيط بالتجمع من كل جانب".
يشير كعابنة إلى أن هذا المستوطن سيطر على مصادر الرعي وآبار المياه التي تم ترميمها عام 2015م؛ لتخدم السكان، وتدعم تمسكهم وصمودهم.
ويزيد: "يتعمد المستوطنون افتعال المشاكل بالقرب من المدرسة. في إحدى المرات اعتدوا بالضرب على أحد رعاة الأغنام، ورأى طلبة المدرسة الحادثة، وغادروا المدرسة على الفور".
وحتى الطلبة -يزيد- لا يسلمون من أذى المستوطنين أثناء ذهابهم وعودتهم من وإلى المدرسة، لا سيما أنهم يسلكون ذات الطريق الذي يستخدمه المستوطنون.
يخشى كعابنة من نزوح سكان التجمع عن المكان، بسبب سيطرة المستوطنين على مصادر المياه، في الوقت الذي يعتمدون فيه على تربية المواشي، لكنه في ذات الوقت يؤكد على الصمود أمام كل محاولات دفعهم لترك التجمع. "احنا صامدين رغم كل شي، وفش مجال نترك المنطقة، أو نخضع لتهديدات المستوطنين. هذا وطننا" يختم بنبرةٍ حازمة.
