غزة :
في تمام الساعة الخامسة صباحًا، تنطلق ميساء عليان (32 عامًا) لممارسة رياضة الجري على كورنيش بحر غزة في منطقة الشيخ عجلين جنوبي المدينة، ضمن محاولاتها للحفاظ على لياقتها، وإبعاد شبح السمنة عنها من خلال المداومة على هذا النشاط.
وتزدهر ممارسة رياضة الجري بين الجنسين في قطاع غزة، وخاصة في أوقات الصباح والمساء، للهروب من مشكلات الحياة ربما، أو للحفاظ على اللياقة، أو للتدرب استعدادًا لخوض بطولات محلية أو دولية.
تقول عليان وهي أم لثلاثة أطفال، وتسكن في مكانٍ قريبٍ من كورنيش البحر: "هذا هو المكان الوحيد في غزة الذي يمكن أن تمارس فيه النساء هذه الرياضة، والسبب نقص الملاعب الخاصة بالجري"، مشيرةً إلى أنها تحافظ على اختيار أوقاتٍ مبكرة من الصباح لممارسة رياضتها المفضلة، "حيث المدينة نائمة" على حد تعبيرها، من أجل تجنب ما أسمته "النظرات والرمقات" التي تمقت وتعيب ممارسة النساء لهذه الرياضة في الأماكن العامة.
وبيّنت أنها تتبع أسلوبًا خاصًا في الجري، من أجل عدم الوقوع فريسة هذه النظرات، وقالت: "دائمًا ما أنظر حولي إن كان هناك من ينظر إليّ. عندما أطمئن لعدم وجود أحد يراقبني أمارس الجري بحرية، وعندما أجد من ينظر إلي، سريعًا ما أتحول إلى المشي البطيء".
وبينما تشعر عليان أن حريتها مقيدة في ممارسة رياضتها المفضلة، تضيف: "لا أميل إلى الخضوع للقيود المجتمعية ولا أقبل بفكرة تغيير السلوك بسبب أنظار الناس، ولكني في ذات الوقت لا أريد أن أتحول إلى ترند يصنعه أحد المراهقين على مواقع التواصل من خلال ظهوري في مقطع فيديو صوره خلسة".
أما مرام أبو عمرو (29 عامًا) التي كانت تمارس الجري على شاطئ بحر غزة صبيحة يوم الجمعة، فتقول: "مضطرة لممارسة هذه الرياضة بسبب قلة الفرص لممارسة رياضات أخرى في قطاع غزة".
وتضيف أبو عمرو التي عاشت نحو 13 عامًا في مصر لـ"نوى": "عندما كنت في مصر، كنت لاعبةً مميزةً في رياضة كرة التنس الأرضية، ولكن هذه الرياضة غير متوفرة في غزة، كما لا يتاح للنساء ممارستها أمام العامة؛ لذلك لجأت إلى الجري للحفاظ على لياقتي الرياضية".
ورغم أن رياضة الجري تُعدُّ فردية ولا تتطلب معدات أو أدوات خاصة -بحسب أبو عمرو- إلا أنه لا يوجد أي نوادٍ خاصة للنساء، الأمر الذي يجعل ممارستها في إطار الهواية فقط، وليس بغرض التأهيل للمشاركة في مسابقات دولية.
وفي حين يحظى الذكور بحريةٍ أكبر في ممارسة هذه الرياضة بغزة، إلا أن الشوارع العامة تمثل مضامير الجري لدى الرياضيين أو الهواة، رغم ما تحمله من مخاطر كبيرة، ومخاوف من الاصطدام بالسيارات.
يقول الشاب محمود المدلل الذي يمارس هذه الرياضة عند غروب الشمس في شوارع غرب غزة: "الشوارع هي ميادين الجري لدى الرياضيين أو الهواة، فليس هناك من أماكن خاصة لممارسة هذه الرياضة، وهذا يعرضنا أحياناً لحوادث السير، بسبب احتكاكنا المستمر بالسيارات والمركبات المختلفة".
وأضاف: "حتى الشوارع التي لها هوامش أو أرصفة مشاة، عادةً ما تكون مساراتها مزدحمة بالباعة المتجولين أو بالأكشاك التي تعترض طريق المشاة، بترخيص من البلديات".
ولفت المدلل إلى أن العديد من ممارسي هذه الرياضة يتبعون ممارسات خاطئة عند الجري قد تعرض حياتهم للخطر، إذ يضطرون لوضع سماعات في آذانهم لسماع الموسيقى أو القرآن من أجل عدم الشعور بالملل.
وتابع: "أمام هذه الظروف، من السهل أن يتعرض أي شخص لحادث سير، ففي هذه الرياضة نوع من المجازفة بسبب عدم توفر أماكن خاصة".
بدوره، ينبه الصحفي الرياضي علاء شمالي، إلى ازدهار ثقافة الجري في الأماكن العامة بين الجنسين في قطاع غزة، ويقول لـ"نوى": "الفترة الأخيرة شهدت توجهًا كبيرًا من قبل فئة النساء تحديدًا لممارسة الرياضة بشكل عام في الأندية، وللجري بشكل خاص، وهذا دليل على تطور النظرة للرياضة في القطاع".
ويرى أن أهداف الجنسين من ممارسة رياضة الجري تحديدًا مختلفة إلى حدٍ ما، إذ يرى أن الذكور يسعون من خلالها على الأغلب للتغلب على مضاعفات التدخين، والحفاظ على اللياقة البدنية، أو الاحتراف للمشاركة في البطولات المحلية أو الدولية.
فيما ترغب الإناث من خلال ممارسة الجري – بحسب شمالي- "غالبًا" لمحاربة السمنة والحفاظ على رشاقة الجسم، مع وجود نسبة ضئيلة منهن يرغبن بالوصول إلى الاحتراف للمشاركة في السباقات الفردية.
ورأى الصحفي الرياضي أن المجتمع الفلسطيني بغزة غير معتاد على رؤية نساء يمارسن رياضة الجري في الأماكن العامة، وقال: "ممارسة الجري للإناث في الأماكن المفتوحة ليس مقبولًا في مجتمع كغزة".
وبيّن أن البديل أمام النساء لمواجهة ندرة وجود أندية مخصصة لهن، هو الانتساب إلى "صالات الجيم" التي باتت تخصص أوقاتًا للنساء، أو ممارسة رياضة الجري على الأجهزة الرياضية عوضًا عن الأماكن العامة أو المفتوحة.
