وجدَت نفسها في إجازةٍ قسريةٍ طويلة فرضَتها جائحة كورونا امتدت لما يزيد على عام. في المنزل الذي كانت العائلة قد انتقلت إليه قبلها بوقتٍ قصير في مدينة الخليل بالضفة الغربية، تعثّرَت سعدية سلطان بالكثير من المواد الخام كالأسمنت وبقايا السيراميك، فلمعت في رأسها فكرة: "لماذا لا أستخدمها في صناعة أصص لزراعة النبات وتزيين بيتي بها؟".
برفقة زوجها رضوان الجعبري بدأت. كانت مرحلةً من التجربة مرّت بالكثير من العقبات، لكنها مضت بعدما خرج الاثنان بأول إصيصٍ ملوّن، ومزيّن بقطع من القماش المطرز! "كنتُ فخورةً جدًا به في النهاية" تقول سعدية، متابعةً: "نشرتُ بعض الصور على مواقع التواصل الاجتماعي، فلاقيت استحسان وتشجيع الأصدقاء والمتابعين، لأجد بعدها مفاجأة.. حلمي المؤجل وُلد من جديد، عندما وصلني طلب تصميم مشابه لإحدى المتابعات".
سعدية هي زوجة وأم، ومحاضِرة في جامعة "بوليتكنك الخليل"، إذ حصلت على ماجستير في إدارة الأعمال.
تلك الفترة الاضطرارية للمكوث في المنزل، التي فرضتها الجائحة، كانت سببًا في تغيير المسار بعد عشرين عامًا من العمل المتواصل، "إذ وجدتني أتوق لممارسة هواياتي الزراعية المؤجلة، رغم أن جوهر المشروع الذي أطلقنا عليه فيما بعد اسم ( زينة جاردن) يقوم على تصنيع الأُصُص".
تدريجيًا، وبسبب ضعف الإقبال على شراء الأصص المصنوعة من الباطون، توجه الزوجان لاستخدام السيراميك الممتاز، ووضع لمساتٍ خاصة عليه تميز منتجات المكان. تستدرك: "كنا نشتري بقايا قطع القماش المطرزة من المشاغل، ثم نكسو الأصص بالمطرزات التي تضفي عليها لمسة جمالية وتراثية تربطها بالهوية الفلسطينية".
لم يعد (زينة جاردن) مجرد مشروع صغير، فقد تخصص الزوجان في تجهيز الحدائق المنزلية والحدائق الخارجية، والشُرف، وحدائق المدارس والجامعات في مدينة الخليل بالأصص المزينة بالتطريز الفلسطيني. ليس هذا وحسب، بل امتدَّ الأمر إلى فكرة تنمية الوعي البيئي لدى المواطنين بدعم أفكارٍ مرتبطة بفلسطين الخضراء، وذلك لإيمانها الكبير بأهمية الزراعة في تنقية الهواء، وارتباطها بالجمال، وقدرتها على تحسين المزاج والنفسية.
تقول: "بدأتُ أحفز الناس على العمل بالزراعة. زراعة مداخل بيوتهم، والشرفات والمساحات في البهو، وحتى تلك المؤسسات التي تعمل مع الأطفال، أحاول توجيهها لأهمية تدريب الأطفال على الزراعة خلال المخيمات الصيفية، لجعل هذه الهواية أسلوب حياة، لا ترفًا فكريًا وعمليًا".
لسلطان وزوجها تجربة فريدة في هذا الجانب، إذ تزيد: "لدي ثلاثة أطفال بأعمار متفاوتة. لا يمتلكون هواتف ذكية، وينشغلون باستمرار في مساعدتنا بعملنا ضمن مشروعنا المنزلي حسب طاقتهم. لقد أصبحوا اليوم خبراء بأنواع النباتات المختلفة، وأسمائها العلمية".
وينقسم العمل داخل مشروع (زينة جاردن) بشكل أساسي بين الزوجين، "فهو يشتري البلاظ، ثم نجمعه لا سيما وأنه يحتاج في هذه المرحلة لجهد عضلي، وبعد انتهاء هذه المرحلة يأتي دوري بتزيين الإصيص، واختيار القماش، ونوع النبات، وتجهيزه بشكله النهائي، ثم وضع البطاقة التعريفية بالنبتة، قبل أن يتم إرسالها للزبون" تردف.
وتُبيّن أنهما تخطيا الكثير من العقبات التي وقفت في وجه المشروع وتطوره، "ومن أكبرها أننا لا نمتلك مشتلًا"، متابعةً: "أسعار النباتات أيضًا مرتفعة، وهو ما يجعل هامش الربح غير مناسب للجهد المبذول، وهذا ما دفعنا لإنشاء مشتل صغير يتطلب جهدًا كبيرًا في المتابعة والتطوير وفق ما يستوعب من نبات، وما يتناسب والقدرة الشرائية لنا أيضًا".
تطمح سعدية وزوجها لأن يتمكنا من إنشاء ورشة خاصة، بماكنات تطريز خاصة، تساعدهم على التحكم بشكل المطرزات وخاماتها، ثم متجرًا على أرض الواقع يبيعان فيه ما ينتجانه، وأن يعرفهم من خلال منتجاتهم كل الوطن لا سيما قطاع غزة.
تختم برقة: "في كل مرة أنتهي فيها من تجهيز إصيص أشعر وكأنني انتهيت من رسم لوحة فنية جديدة، بتفاصيل مختلفة، تميزها عن ما سبق، وهذا ما يجعلني أكثر تمسكًا بالمشروع رغم كل التحديات، فلكل إصيص حكاية وذكرى معي وهذا يكفي كي أستمر".
