الخليل:
اتّسعت عينا المعلمة الفلسطينية عبير قنيبي وهي تطالع بريدًا إلكترونيًا يخبرها بفوزها بجائزة خليفة، وحصولها على لقب "أفضل معلمـة" على مستوى الوطن العربي للعام الحالي. ابتسمَت بهدوءٍ بعد أن تنفست الصعداء، فهذا إنجازٌ جديدٌ ومهم؛ يضاف إلى سلسلة إنجازاتٍ وألقابٍ حصدَتها خلال عقدين من التدريس بمدينة الخليل جنوبي القدس.
تعمل قنيبي معلمةً لمادة الرياضيات في مدرسة وداد ناصر الدين الثانوية للبنات، وتُدرّس المنهاج للصفين الحادي عشر والثاني عشر، وقد بدأت مسيرتها المهنية على خُطى "رسالةٍ عميقة" أدّتها بصلابة، مفادها: "ما تؤسسه في جيل اليوم، يبني حضارة الغد".
المعلمة عبير مع طالباتها في يوم علمي

بسعادة غامرة، تحدّثت قنيبي لـ"نوى" عن فرحتها بالجائزة، فقالت: "هي بمثابة تقدير مهم بالنسبة لي. من الرائع أن تشعر باحترام الآخرين لجهودك في ابتكار أساليب تدريس حديثة لتغيير الصورة النمطية عن الرياضيات كمادة معقدة، وتحويلها إلى مساحة شيقة من الوقت، وفرصة للابتسامة والارتياح بين الطالبات أثناء الحصة".
انطلقت جائزة خليفة عام 2007م، بهدف تكريم 10 فئات مختلفة من المبدعين، ومن بينهم فئة المعلّمـين/ات المبدعين/ات.
ويتطلب التقدم للجائزة، ملء نموذجٍ بتفاصيل الإنجاز، موزع على تسع محاور، على رأسها القيادة والكفايات التدريسية، والانتماء والمواطنة، والتنمية المهنية المستدامة، وغير ذلك.
المعلمة عبير متحدثة في مؤتمر علمي

تضيف المعلمّة التي سبق وتم تصنيفها كواحدة من أفضل 50 معلّم ومعلمة على مستوى العالم: "في عنوان القيادة ركّزت على ثلاثة محاور هي: القيادة الصفية، والقيادة المجتمعية، والقدوة الحسنة والأثر"، أما في زاوية الكفايات التدريسية، فعرجت قنيبي إلى الحديث مطوّلًا عن جملة من الاستراتيجيات التي استخدمتها في تدريس الرياضيات، "وحوَّلَتها إلى مادةٍ ترسم الابتسامة على شفاه الطالبات اللواتي أصبحنَ يُقبلن عليها بشغف لرؤية نتائج مشاريعهن".
تتابع: "أنا شغوفة بالرياضيات وأحبّ هذا العلم جدًا، وأردت نقل هذا الحب لطالباتي ونجحت من خلال استراتيجيات التعليم التي اتّبعتُها. كانت منهجيّتي أولًا الحفاظ على بيئةٍ محفّزة للتفكير واستثمار مهارات القرن 21، وقد أردتُ أن تكون طالباتي دومًا منتجات للمعرفة عبر العمل التشاركي التعاوني. هنا التعليم يتمركز حول الطالب والطالبة وليس المعلّم الذي يتحوّل إلى ميسّر في العملية التعليمية".
تطبيقات للهاتف الذكي ونماذج افتراضية لتصميم شوارع، وبرامج حاسوب، كانت جانبًا من إنجازات طالبات المعلّمة قنّيبي، التي اتبعت استراتيجية تسمى منحى steam أي دمج العلوم (الاستفادة من أكثر من علم في المنتج) لينتجن بذلك معرفة يلمسنها على أرض الواقع، تعقّب: "نحن بحاجة إلى تعليم منصف للجميع، ومتعلمين مدى الحياة وليس خلال الدرس فقط".
كذلك اتّبعت قنيبي استراتيجية التعليم المعكوس، وخلالها تُعدّ المادة بتفاصيلها الدقيقة لتدرسها الطالبات منزليًا، ثم يكون دورها ميسّرة أثناء الدرس، وبهذا تحقق مبدأ المشاركة، إلى جانب توزيع الطالبات لمجموعات وتوزيع بطاقات لإنجاز مهمات تراعي الفروق الفردية بطريقة لا تجعل الطالبات يشعرن بذلك، "بل كل مجموعة تنتج ما هو مطلوب منها، وهكذا يكون التعليم منصفًا وجاذبًا للجميع" تعلق.
تقول: "لسنا بحاجة إلى أن يحصل الجميع على 90%، بل أن ينتقل الجميع من مستوى إلى آخر ليحققوا شيئًا يحبونه، ويشعروا بأنه جهد عقلهم وإبداع أيديهم، وهذا هو التغيير".
حصولها على لقب أفضل معلم/ة في فلسطين

خلال المسيرة التعليمية للمعلمة عبير قنيبي الحاصلة على درجة الماجستير من جامعة بولتكنيك فلسطين، والتي تعمل في هذا الميدان منذ عام 2001م، حصلت على العديد من الجوائز والألقاب ومن بينها: زمالة مبادرة الشرق الأوسط من جامعة هارفارد الأمريكية، ووسام التميّز والاستحقاق الفضي من رئيس دولة فلسطين، وتسميتها عام 2017م من ضمن أفضل 50 معلم في العالم، من قبل منظمة "فاركي" البريطانية.
وحصلت على لقب المعلم العالمي عام 2020م من الهند، والجائزة الأولى في مسابقة إلهام فلسطين، كما ابتكرت "مقهى الرياضيات" الحاصل على مرتبة أفضل مبادرة تربوية على مستوى فلسطين، وطوّرت برنامجًا تدريبيًا "نموذج قنيبي 2022م" لتنمية مهارات البحث العلمي لطلبة التعليم العام، وغير ذلك أيضًا.
في بلد يحاصرها عدوان الاحتلال من كل جانب، وينعكس على كل مناحي الحياة فيها، لم تكن الأمور سهلة بالنسبة للمعلمة التي واجهت في طريقها الكثير من التحديات. توضح ذلك بالقول: "نتعامل مع الاحتلال على أنه التحدي الأبرز الذي علينا الصمود دومًا أمامه، وكأننا نعلن بذلك عن بقائنا وانتمائنا لبلدنا، ولكن هناك تحديات أخرى".
قنيبي التي تزوجت مبكرًا، هي أمٌ لستة أبناء (3 ذكور و3 إناث). التحقت بالجامعة وهي زوجة وأم، لكنها نجحت في هذا التحدّي الاجتماعي، إلى جانب تحديات متعلقة بقلّة الإمكانات المتوفرة لمعلّمات ومعلّمي الرياضيات وندرة المواد الإثرائية، ما يحدُّ من قدرتهم على استخدام استراتيجيات التعلّم التي يطمحون لها.
مشاركتها في تدريب

تكمل: "الكثافة الصفية أيضًا مشكلة. لديّ في الثانوية العامة فصلين أحدهما 48 طالبة، والآخر 43، وأكثر من أربعين للصف الحادي عشر. تغلّبتُ على هذه التحديات من خلال استراتيجيات التعلّم الحديثة التي سبق وتحدّثت عنها".
وتشرح بالقول: "طوّرتُ وصممتُ برامج من أجل مادة الرياضيات كي يتعلّم الجميع من خلال التعلّم الواقعي القائم على المشروع، ليرى الطلبة نتيجة جهدهم بأعينهم. أصبحت الرياضيات ممتعة لهن".
لكن المؤلم أكثر بالنسبة لقنيبي هو التحدّي المتعلّق بقلة التقدير "الاجتماعي" للمعلمين والمعلّمات عمومًا وفق وصفها، فهناك نظرة نمطية لهذه المهنة السامية رغم أهميتها وتأثيرها الكبير في حياة الطلبة.
تشعر المعلمة عبير بمسؤولية المساهمة في تغيير هذه الصورة النمطية وهذا عبء ليس بالسهل، "ناهيك عن قلة التقدير الرسمي لجهود المعلمين"، فحتى هي ما زالت معلّمة "غير مفرّغة"، وبالتالي لم تحصل على تقدير يناسب حجم الإنجازات التي قدمتها على مدار 22 عامًا من العمل والإبداع.
وتطمح المعلمة عبير أن يتحوّل تدريس الرياضيات في كل فلسطين إلى استخدام أساليب واستراتيجيات التعليم الحديثة، وتكون الرياضيات أكثر إدماجًا لكل فئات المجتمع؛ لنحصل بذلك على تعليم نوعي في هذا المجال.
أما على المستوى الشخصي فتطمح إلى أن يتم تبنّي الإنجازات التي حققتها، واستثمارها في نقل العلم والمعرفة مثلما استفادت منها بلدان زارتها هي؛ لإيمانها بقدرتها على نقل خبرتها بشكل أوسع إلى الميدان. تختم: "النجاح جميل لكن الميدان يزخر بالإبداعات التي تحتاج إلى تنمية واهتمام".

مع طالباتها في مؤتمر علمي

طالبات المعلمة عبير يعرضن حانبًا من نشاطاتهن


