أحلامه كانت بسيطة، وأيامه تشبه بعضها. يرى الخمسة شواقل التي يجنيها من قطف المزروعات في بعض المزارع كعاملٍ في اليومية "كنزًا" يقيه ذل السؤال، ويحمد الله كثيرًا لأنه متعه بالقدرة ليعود إلى بيته بعلبة جبن وبعض الأرغفة، والكثير من الاشتياق لطفلته التي لم تُجد بعد نطق كلمة "بابا".
لم يكن المزارع محمد أبو طعيمة (25 عامًا)، يطمح لأكثر من فرصة عملٍ لا تنقطع، تعينه على إعالة أسرته وتربية الطفلة التي كان دائمًا يصفها بـ"هدية الله"، لكنه لم يكن يعلم أن هذه الأحلام البسيطة ستأخذ روحه "شهيدًا" تحت نيران القصف في مزرعة فقوس شرقي خان يونس!
في صباح التاسع من مايو/ أيار الجاري، انطلق محمد إلى المزرعة كعادته، ليعمل على قطف محصول الفقوس، ويأخذ يوميته ويعود إلى بيته "مجبور القلب"، لولا أن "صاروخًا" كتب نهاية الحكاية، أطلقته طائرة استطلاعٍ فمزّق جسده، وأرداه قتيلًا للقمة العيش، في ظل دولة عدوانٍ جديدة، طالت كل ما هو فلسطيني.
عشرات المواطنين هرعوا نحو المستشفى وكلهم أمل بأن يكون محمد على قيد الحياة، بينما أمه تسابق بقدميها الريح. تجري وألف سؤال يدور في رأسها: كيف يستهدفون ابني وهو ليس إلا عاملًا في مجال الزراعة، ويسعى لكسب لقمة عيشٍ تكفل له تأمين حياة كريمة. حاولت أن تُكذّب قلبها الذي أخبرها بأنه ارتقى شهيدًا من اللحظة الأولى، وكلها أمل بأن ينتصر على إصابته، فيقاوم الموت كما قاوم الفقر وقلة الحيلة منذ نعومة أظافره.
بدموعٍ ترفض تصديق "الفقد" انسابت على وجنتيها، استقبلت المعزيات بابنها. هي لم تتخيل يومًا أن تقف في مثل هذا الموقف، أن تودع حبيب روحها، ومهجة قلبها، والقريب الطيب الحنون "محمد" إلى مثواه الأخير. كانت تصرخ بحرقة: "أمانة خدوني معاه، أي حياة إلي بعدك يا محمد؟".
وقد تداول نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو لشهيد لقمة العيش، يتحدث خلالها لأقرانه ويحثهم على مواصلة البحث عن عمل، أيًا كان مجاله أو مستواه، وعدم التذرع بقلة الفرص، بينما يحيط به زملاؤه منصِتين.
كان يبدو قويَّ العزيمة، مناضلًا من طرازٍ مختلف يقاوم كل الظروف، ويحاول أن يحقق الحد الأدنى من الرضا. يقول حسن شاهين أحد أقربائه: "كان محمد محبًا للحياة، ويسعى للقمة عيشه بعز وكرامة، ما ذنب طفلته التي لم تكمل عامها الأول بعد أن تعيش اليتم قبل أن تختبر حنان الأبوّة؟".
ويتابع: "له في كل منزل بالحي ذكرى، كان مبادرًا من الطراز الأول، ما أن يقصده أحد للمساعدة حتى يلبيه دون أي تفكير. لا أنسى يوم أن ساعد أبناء الحي في تغطية منازل الزينقو والقرميد للأسر الفقيرة بالنايلون في فصل الشتاء".
ويضيف في سرد تفاصيل استشهاده: "لا يستطيع محمد التوقف عن العمل تحت أي ظرف، ككافة المزارعين العاملين باليومية، فالتوقف يعني أن يزيد بؤس الحرب على قلوبهم بؤس الحاجة والفقر والجوع. ما أن وصل إلى المزرعة حتى باغته وعامل آخر صاروخ استطلاع إسرائيلي، وغادرنا إلى جوار ربه".
ما زالت كلمات محمد التي رصدها أصدقائه عبر مقاطع الفيديو المتناقَلة، شاهدة على أنه كان يقاوم الفقر والفاقة بالعمل. كان يقول: "بنطلع نشتغل علشان نكسب لقمة عيشنا بالحلال. أن تكون رجلًا بمعنى الكلمة يعني أن تكسب قوت يومك بعرق جبينك"، وكأنها رسالةٌ أخيرة للآلاف في غزة، ممن سرق الحصار شبابهم، وهم يقفون على أعتاب الفقر والبطالة أن "لا تستسلمو، فالجبر لمن يسعى".
