تبدأ الحكاية من هنا: قلبان التقيا على حب الحياة، فراشتان صغيرتان على طاولةٍ في صفٍ مدرسيٍ واحد. الصديقتان ميار عز الدين وتقى الدلو، اللتان أكملتا قلبًا بأصابعهما في صورةٍ قرر الاحتلال أن لا تكتمل، عندما أرسل إلى منزل الأولى شبح "موت" على هيئة طائرةٍ مفخخة.
ميار استشهدت برفقة شقيقها علي (8 سنوات)، ووالدها الأسير المحرر المبعد من جنين طارق عز الدين، وتركت أمها وأخًا أكبر وآخر بعمر عامين.. وتقى، وصديقات كثيرات أحببنها، يبكون جرح فراقٍ لن يداويه الزمان.
تقول والدة تقى: "ليس سهلًا أن تخبري طفلتك بأن صديقتها المقربة استشهدت نائمةً تحلم بما يحمله الغد في جعبته من فرح. ليس سهلًا أن تقولي لها إن حياتك منذ اليوم ستتغير، ستمضين في طريقك وحيدةً بدون شق الروح، ونصف القلب ميار".
تقى (11 عامًا) لم تتوقف عن البكاء، لم تسمح لها الذكريات أبدًا بأخذ نفَس، وكل ما تشعر به أن "قلبها انكسر". لقد حرموها من "شقيقة روحها، وصدى صوتها" كما تشبّهها أمها. تقول تقى لـ"نوى": "ميار هاي مش صاحبتي وبس، ميار حبيبة روحي".
تسأل أمها في اليوم ألف مرة: "لماذا رحلت؟ كيف تركتني هكذا وحيدة؟ حتى علي، ذلك الشقي الذي ينكشني بعد انتهاء الدوام دائمًا. كيف ذهبا هكذا؟"، وتضيف: "لا أصدق حتى هذه اللحظة، أشعر أنني في حلم، ماذا فعلت لهم كي يقتلوها نائمة؟".
حالة من الصدمة تعيشها تقى، وتحسب الحسابات كل لحظةٍ، لليوم الذي ستعود فيه إلى المدرسة فترى مقعد ميار فيه فارغًا، باردًا، بدون ضحكاتها الندية. وتضيف: "آخر ضحكاتها كانت عندما أخبرتنا معلمة التنشئة الدروس المحذوفة من المادة للامتحان النهائي. لقد فرِحت كثيرًا، واستمرت تقبّل الكتاب، وتحضنه، وأنا أضحك".

لا شيء يشبه ما تعيشه تقى اليوم، فميار كانت دواء قلبها عندما تحزن، تخبرنا: "كانت كلما حدث معي موقف مزعج في المدرسة، أو قصّرت في امتحاناتي، تعانقني، وتبقى إلى جانبي حتى أهدأ، وتقول لي: خلص تزعليش، راح تعوضيها، تعالي نلعب في الفسحة وإنسي الزعل".
الكثير من الصور، والمحادثات الصوتية، والرسائل، هي كل ما تبقى من رائحة ميار، و"هدية" أحضرتها لتقى في يومٍ رمضانيٍ لطيف.
تعود تقى إلى تلك الذكرى وتقول: "يا الله لو كنت بعرف بس. كان نفسي أشوفها وأقلها إني بحبها كتير".
في ذلك اليوم، جاءت زيارة ميار لبيت تقى بعدما كُسرت يدها، حملت لها هدية مميزة، تشبه هدايا الأطفال البريئة، سوارٌ من الخرز صنعته لها بيديها، وبطاقة قصّت حروف اسمها وألصقتها عليها، ودفتر مذكراتٍ زهري اللون، أوصتها أن تكون أول رسالةٍ تُكتب فيه لها هي، وعلبة أقراطٍ لأنها تعرف أنها تحب الإكسسوارات.
تضيف ولم تتمالك نفسها من البكاء: "كانت في هديك الفترة تكتبلي كل الدروس على الدفتر، وتطلب مني أصورلها دفاتري علشان ترجع تنقل الدروس على دفاترها بالبيت، ولما ماما كانت تحكيلها لا اكتبي إلك، ولما ترَوحي صوريلي الدفاتر وأنا بكتب لتقى بلاش تروح عليكي الدروس، ما كانت ترضى، كانت دايمًا تقول: تخافيش أنا ما بتعب مع تقى".
لطالما تبادلت الصديقتان الحديث عن أحلامهما، وكيف ستدرسان الطب معًا ذات يوم. قالت ميار لأم تقى مرةً إنها تنتظر الإجازة الصيفية بفارغ الصبر كي تخرج مع تقى وصديقتهما سما أيضًا لتناول البوظة، واستدركت بشرط: "بس في أول الإجازة علشان بدي أسافر، عمتي راح تاخدني من الأردن على جنين علشان أشوف أهل بابا وماما، أعمامي وعمّاتي، وأخوالي وخالاتي لأني عمري ما شفتهم، ولا شفت مدينتي جنين".

تتحدث تقى عن حزنٍ قويٍ كان يضرب قلب ميار كلما اقتربت عطلة نهاية الأسبوع، فالطالبات كلهن يتحدثن عن زياراتٍ لبيوت أجدادهن، وموعد التقائهن بأولاد وبنات أعمامهن وأخوالهن، إلا هي، ابنة مبعدٍ من جنين لا أقارب له في غزة.
تعانق تقى دفتر مذكراتها، وتزيد: "طلبَت مني تكون أول رسالة فيه إلها، وهي مش عارفة إني ما راح أكتب بهادا الدفتر إلا إلها".
حالة الصدمة بارتقاء أطفال مع ذويهم في القصف الإسرائيلي الذي استهدف عدة منازل في مناطق متفرقة من قطاع غزة، أصابت آية صبري أيضًا، فابنتها لين صديقةٌ في صف ميار كذلك.
كتبت تقول: "لم أنم ولا دقيقة واحدة، وما زلت أنتظر حتى هذه الساعة خشية أن تستيقظَ لين قبلي، فقد كانت تحب ميار جداً وتحب أن ترافقها وشديدة الإنصات لها، كانت ستسارع لمجموعة الصف الخامس لتتفقد منشور الرحلة المدرسية، التي جهزنا أغراضها معًا، لكنها ستُفجع برحلة أخرى سبقت بها "ميار" كل الصديقات، الطفلة المثابرة والاسم المتكرر والوجه الجميل، رحلَت في اللحظة التي كان كل همها في هذا المساء "ماذا سأختار لـ حاجات الرحلة".
رحلت ميار برفقة شقيقها علي ووالدهما، بينما تبعثرت حاجياتها وأدمى رحيلها قلوب صديقاتها وزميلاتها وكل من عرفها أو سمع عنها، أو شاهد صورها التي تضج حياة، رحلت ميار مع والدها الذي تحب، وشقيقها علي صاحب الابتسامة الجميلة، وبقي الوجع والألم رفيقًا دائمًا لوالدتها التي فقدت الزوج واثنين من أطفالها في لحظةٍ واحدة، فلا تعرف أيًا منهم تودع، وقد اختاروا الرحيل معًا.
