أطراف صناعية لكلاب ضحية الحروب على غزة 
تاريخ النشر : 2023-04-17 02:50

غزة-نوى:

لم يكمل الحظ طريقه نحو الكلبة "ساشا" والكلب "بيلي" للانتقال من قطاع غزة إلى كندا، حيث تبناهما طبيب كندي مهتم برعاية الحيوانات، بعدما شاهدهما خلال زيارة له إلى غزة، وقدر أنهما لن يحصلا على الرعاية اللازمة في هذه البقعة الصغيرة والمحاصرة منذ 16 عامًا، التي يموت فيها البشر قبل الحيوانات جراء ضعف الإمكانات الطبية. 

جراء حادثين منفصلين، أصيبت "ساشا" بشلل نصفي، أفقدها القدرة على المشي، فيما فقد "بيلي" يده اليمنى، ما جعلهما يحتاجان إلى رعاية طبية خاصة، لا تتوفر في غزة حديثة العهد بتربية الحيوانات الأليفة، فضلًا عن عدم توفّر إمكانيات طبية بيطرية؛ لإجراء الجراحات اللازمة، وتركيب أطراف صناعية.

المصير الذي آلت إليه "ساشا" وكذلك "بيلي"، يشاركهما فيه بصور مختلفة الكثير من الحيوانات الضالة في شوارع غزة، سواء نتيجة حوادث سير عرضية، أو عنف بشري، أو جراء إصابات ناجمة عن الحروب وجولات التصعيد الإسرائيلية المتكررة على قطاع غزة.

وإن لم يحمل الحظ "ساشا" وكذلك "بيلي" إلى كندا، حيث للحيوانات حقوق ربما تفوق البشر في بقاعٍ أخرى من العالم، لكنهما كانا أكثر حظًا من المئات غيرهم، فقد بات بمقدر ساشا التنقل بعربة صممت لها يدويًا، فيما صار بيلي أول كلب يحظى بطرف صناعي يمكّنه من السير.

ويفسر سعيد العر، رئيس جمعية "سلالة"، الوحيدة المختصة برعاية الحيوانات الضالة في غزة، عدم وصول ساشا وبيلي إلى كندا، بعدم إتمام الفحوص الخاصة بهما، جراء عدم توفر المواد اللازمة لذلك، رغم أن الجمعية قطعت شوطًا كبيرًا في إتمام باقي الإجراءات بسفرهما، ليبقى مصيرهما معلقًا.

وقال العر لـ "نوى": "إن طبيبًا كنديًا كان في غزة منذ عامين ضمن فريق "أطباء بلا حدود"، زار ملجأ الحيوانات الضالة التابع للجمعية، وعاين بنفسه حالة بيلي وساشا، وقرر تبينهما ونقلهما إلى كندا حيث الرعاية الأفضل لمثل حالتهما".

وتابع :"من جانبنا أنجزنا الأوراق اللازمة، والتطعيمات، لكننا فوجئنا بأنه لا يوجد في غزة شرائح لفحص الدم، حيث لا تتوفر مثل هذه الشرائح لدى وزارة الزراعة أو العيادات البيطرية، نظرًا لارتفاع ثمنها".

واضطر العر للتعامل مع الحالة الطارئة لساشا وبيلي، بما يتوفر من إمكانيات بسيطة في غزة، فوجد ضالته بالنسبة للكلبة ساشا في كرسي متحرك مخصص للأطفال، وقام بتطويعه ليتناسب مع حالتها الصحية، وليكون عوضًا لها عن ساقيها، فيما استعان بطرف صناعي من مركز الأطراف الصناعية التابع لبلدية غزة، ليكون بديلًا بالنسبة للكلب بيلي عن طرفه المبتور.

وترعى سلالة نحو 400 كلبًا، يقوم فريق من المتطوعين على جمعها من الشوارع، وإلحاقها بالملجأ، سواء بناء على اتصالات من مواطنين يتذمرون من وجودها الدائم بجوار منازلهم، أو لإنقاذهم من عنف الشوارع، فضلًا عن ما تتعرض له الحيوانات الضالة من مخاطر حقيقية في أوقات الحروب الإسرائيلية.

وقال العر: "إن أعدادًا لا تحصى من الكلاب نفقت أو أصيبت بجروح بليغة خلال 11 يومًا من الحرب الإسرائيلية الرابعة على قطاع غزة في مايو/أيار من العام 2021م".

وبعد فترة من المبادرة الذاتية، لجأ خلالها العر إلى تحمل تكاليف استئجار قطعة أرض حوّلها إلى ملجأ هو الأول المختص برعاية الكلاب الضالة، ليعقد بعد ذلك اتفاقية مع بلدية غزة، التي وفرت له مساحة أصبحت ملجأ دائمًا.

حكاية شغف العر بالكلاب بدأت منذ صغره، عندما كان يهوى اقتناءها وتربيتها، وتعمقت بعد التحاقه لنحو تسعة شهور بدورة تدريبية لترويض الكلاب في روسيا عام 2005م، اكتسب خلالها خبرة كبيرة في التعامل مع الحيوانات ومتابعة الأمراض التي تصيبها، ليعود إلى غزة حاملًا في رأسه قناعة بضرورة إنشاء ملجأ للكلاب الضالة.

وفي هذا الملجأ يتم التعامل مع كل كلب حسب حالته الصحية، بعد تشخيصها في عيادة بيطرية مختصة، من أجل معالجتها مما تعاني منه، وتأهيل المصابة منها بشكل احترافي لتقبل أي جهاز صناعي يتم تركيبه لها بناء على الحالة الجسدية، كما حدث مع ساشا وبيلي، حسبما أوضح العر.

ويستقبل الملجأ يوميًا كلابًا، وكذلك قططًا لا مأوى لها سوى الشوارع. يقول العر: "لكل حيوان قصته الخاصة، وحكاية معاناة مر بها في هذه البيئة غير الآمنة بالنسبة للحيوانات، سواء عبر ما تواجهه في الشوارع من عنف مجتمعي، أو لما يحلق بها جراء جولات العنف والحروب الإسرائيلية".

وينشغل العر وفريقه من المتطوعات والمتطوعين حاليًا في تجهيز كراسٍ متحركة لنحو 12 كلبًا مشلولًا من بين 64 كلبًا وقطة، يعانون من إعاقات مختلفة ومتفاوتة في الملجأ، نصفها تقريبًا لديها أطراف صناعية صناعة محلية وبجهود ذاتية، فيما تعترض معوقات كثيرة تحول دون تطور جمعية سلالة، وتعرقل مسيرتها، أبرزها صعوبة التمويل، وقلة الإمكانات اللازمة في مجالات العلاج والترويض والتدريب والتأهيل. 

ويقاوم العر هذه المعوقات، ولا يتوقف عن التفكير في التطوير ونشر الوعي المجتمعي، بالإمكانيات القليلة التي يمتلكها، وأهمها فريقه من المتطوعات والمتطوعين المؤمنين بالفكرة، وفي هذا الصدد يخطط لتنظيم أسابيع طبية لمربي الكلاب والقطط في غزة، وتقديم النصائح لهم بخصوص فنون التعامل مع الحيوانات المنزلية.

واكتسب أبناء العر من والدهم هذا العشق وجينات العطف على الحيوانات وعشق حمايتها وتربيتها، ويعاونه نجله الأكبر سائد في إدارة الملجأ، إلى جانب فريق تطوعي يضم نحو 20 متطوعة ومتطوع، من بينهم نجلان آخران للعر. 

يقول سائد لـ"نوى" إنه سعيد بما ورثه عن أبيه، وتغمره سعادة لا مثيل لها عندما يقوم على رعاية حيوان برئ، وحمايته من الأذى والمخاطر. 

وللمساهمة في نشر الثقافة المجتمعية في هذا الجانب، يفتح الملجأ أبوابه بالمجان لزوار يقصدونه بغرض الترفيه، ومداعبة الكلاب والتقرب إليها، الأمر الذي تنظر إليه مسؤولة التوعية في "سلالة" حنين أبو عويضة، بأنه يعزز علاقة البشر بالحيوانات، ويقلل من فرص تعرضها لمخاطر الشوارع.

وتتولى حنين المسؤولية عن الجانب التوعوي في الجمعية، بتنظيم جولات إرشادية وتثقيفية في رياض الأطفال والمدارس، وتقول لـ "نوى": "رافقت سعيد منذ بدايات الجمعية، ومنذ 3 سنوات نهتم بتوعية المجتمع، ونلمس شعوراً أكبر بالمسؤولية، وتراجعاً في معدلات العنف ضد الكلاب والقطط في الشوارع".