منذ سبعة عشر عامًا، لم يتخلف الأربعيني، مسيحي الديانة، ميشيل أيوب عن عمله كـ"مسحراتي" في قرية المكر بمدينة عكا القديمة، ترافقه طبلته، وكلماته التي يحولها إلى ترانيم يشدو بها، فتجد طريقها إلى قلوب السكان الذين اعتادوا أن يستيقظوا على صوته كل يوم في شهر رمضان.
في تمام الثانية فجرًا يبدأ مشوار ميشيل الذي يرتدي ملابسه الخاصة بالمسحراتي، ثم يبدأ التجوّل في أزقة وحارات البلدة صادحًا بالابتهالات التي يحرص على ترديدها، وتلقى قبولًا وتشجيعًا من قبل سكان البلدة، بينما يرافقه فتىً يرتدي الزي التراثي، ويتناوب معه بالقرع على الطبل، ويؤدي حركات استعراضية من حين لآخر، بينما يتابعه الأطفال ممن اعتادوا على صوته، فيعتلون نوافذ وشرفات منازلهم مرحبين بقدومه.
"الحياة كلها كم يوم، وبالصلاة والصوم، يرضى علينا الله، اجاك الفرج لتغسل ذنوبك، بالصلاة والصوم وعبادة الرحمن"، كلمات بسيطة لكنها تحمل في طياتها معانٍ سامية، ينادي بها كل ليلة أهل بلدته المسلمين.
يقول أيوب الذي يعمل في مجال البناء: "أمتلك هذه الموهبة، فأجد نفسي أشدو بما يفتح الله به علي من أجل إيقاظ جيراني وأصدقائي من المسلمين"، مؤكدًا أنه لجأ لهذه المبادرة تأكيدًا على الوحدة المسيحية الإسلامية، وترسيخًا لمعاني الأخوة بين المسلمين والمسيحيين.
يؤمن أيوب أن "المسحراتي" تراث يجب الحفاظ عليه، وهو ما دفعه لأن يأخذ زمام المبادرة منذ سنوات، ويستمر على ذات الطريق كل عام.
بشغفٍ ينتظر أيوب شهر رمضان الذي يمنحه الفرصة؛ ليطل على سكان بلدته في زيه التراثي الخاص، الذي يتناسب والمهمة التي يؤديها.
ولا يرى أي تناقض في كونه مسيحي يقوم بمهمة المسحراتي، ويتابع: "لدي موهبة في الارتجال والصوت، ويجب ألا أبخل بها على كل من يحتاجها. أنا أعدّ ما أفعله هدية لأصدقائي وجيرتي من المسلمين في شهر رمضان، تأكيد على روح المحبة والسلام رسالة المسيح عليه السلام.
يسعى ميشيل اليوم لتدريب وتعليم غيره على هذه المهنة، "على اعتبار أنها عمل إنساني يخاطب الروح".
أكثر ما يصنع يوم أيوب أثناء تجوّله في الأزقة، خروج أحدهم ومناداته عليه بالاسم من أجل ترديد موّالٍ بعينه، "ما يؤكد أن ما أقوم به من عمل يجد صداه بين سكان البلدة" يعقب، فيما يؤكد سكان البلدة أن شهر رمضان أصبح مرتبطًا بمبادرة ميشيل، وقيامه بمهمة المسحراتي التي أعاد إحياءها بعد أن اختفت لسنوات طويلة.
يتمنى ميشيل الذي يحرص على حفظ آيات من القرآن الكريم لترديد معانيها أثناء النداء، أن يحل السلام في بلد السلام، والعالم العربي يشكل عام.
