غزة :
قبيل آذان المغرب خلال شهر رمضان، يمتطي عمرو أبو خوصة الإبل الخاص به أمام شواطئ جنوب مدينة غزة وفي الشوارع العامة. يسير جمله الذي أطلق عليه اسم "شعلان" بتباهٍ وزهوٍ ملفتًا أنظار المارة إلى ذلك المشهد الذي يعكس تراثًا بدويًا أصيلًا في قطاع غزة.
علاقة البدو بالإبل قديمة تضرب في جذورها عمق التاريخ، منذ استطاع العرب تدجينها قبل نحو أربعين قرنًا، فأطلقوا عليها "سفينة الصحراء"، وارتبطت في حياتهم حاملة معاني العزّة والكرامة، ووسيلة الحياة والنجاة في حلّهم وترحالهم، واستمرت معهم على مرّ الزمان حتى باتت تراثًا يحافظون عليه بغضّ النظر عن إمكانياتهم الاقتصادية.
يقول أبو خوصة (38 عامًا) الذي يعمل تاجر سيارات: "(شعلان) -جمله الخاص- بالنسبة لي أفضل من سيارة الجيب التي أملكها، أحب امتطائه والسير به في شوارع المدينة، فهذه العادة تقودني لذكريات الأجداد والجذور".
وأضاف: "عادةً ما أقابل مارة على شاطئ بحر غزة يرغبون في امتطاء شعلان، وهو ما أرحب به ويسعدني؛ لأن هذا الاهتمام يزيد من أهمية الإبل كقيمة تراثية، أفرح كثيرًا عندما يمتطيه الأطفال"، يشير بيده إلى جمله ويكمل: "وشعلان يفرح أيضًا".

وتعد تربية الإبل أحد أهم المظاهر البدوية التي لا تزال تحافظ على ديمومتها كعادةٍ عربية ممتدة منذ مئات السنوات، رغم هذه الغاية تتعدد أهداف تربيتها بالنسبة إلى العائلات البدوية، فمنها لتناول لحمه أو لاستخدام لبنه كغذاء ودواء، أو كمصدر للدخل، فيما لا يزال يستخدم للتنقل في المناطق البدوية الحدودية للقطاع.
وللإبل مسميات عديدة، فالذكر منه يسمى (جمل) والأنثى (ناقة) أما الصغير ما دون ستة أشهر فيسمى (القاعود)، ويبلغ متوسط عمر الإبل 25 إلى 30 عامًا.
ومع بزوغ أولى خصلات الشمس كل صباح، يقود الشاب محمد السر (32 عامًا) قافلة من الإبل بحثًا عن المراعي الخضراء شمالي قطاع غزة، فهذه الجمال بالنسبة له مصدر دخله الوحيد الذي يدر عليه المال.
خلال انشغاله بعملية الرعي، قال السر لـ"نوى": "لم أعرف في حياتي عملًا آخر سوى رعي الإبل وبعض الأغنام، فهذه المواشي تدر عليّ ربحًا جيدًا مقابل بيع لبنها بشكل مستمر للزبائن".
وأوضح أن لبن الإبل يستخدم كغذاء؛ لأنه غني بالعناصر الغذائية، كما يعدُّ مكملًا غذائيًا مهمًا لاحتوائه على الفيتامينات والحديد والبوتاسيوم والدهون الصحية، فضلًا عن ذلك يستخدم كعلاج للعديد من الأمراض.
وأضاف السر: "بحسب زبائني فإن حليب الإبل أو "النِيَاقْ" مفيد لمن يعاني من أمراض الكبد والقلب، كما أن أحد زبائني المعتادين على شرائه مني، يستخدمونه كعلاج لطفله المصاب بمرض سرطان الدم".

وبيّن أن الناقة يمكن أن تدر يوميًا أربعة لترات فقط من اللبن، خلافًا للأبقار التي يمكن أن تدر 40 لترًا من اللبن يوميًا، الأمر الذي يجعل ثمن لبن النوق مرتفعًا، حيث يبلغ سعر اللتر الواحد منه نحو 25 شيقلًا، فيما لا يزيد سعر لتر لبن الأبقار والأغنام على نحو خمسة شواقل فقط.
ويقطع السر نحو ثلاثة كيلو مترات يوميًا بحثًا عن المراعي لتغذية إبله، وشهر بعد شهر تزداد مهمته صعوبة شيئًا فشيئًا مع ازدياد الاكتظاظ السكاني في القطاع البالغة مساحته 365 كيلو مترًا مربعًا.
وقال: "الكثير من المناطق في شمالي القطاع، كانت قبل أشهر غنية بالمراعي والحشائش والصبّار، ولكن اليوم باتت معمورة بالبنيان والسكان، هذا المشهد يمتد من منطقة لأخرى بشكل مستمر".
في جانب آخر من حياة الإبل، فهي تعد أيضًا مظهرًا من مظاهر إحياء حفلات الزفاف، إذ يعمل مخيمر أبو حمادة على ترويض بعض الجِمال من أجل تقديم عروضٍ راقصة في حفلات الزفاف في قطاع غزة.
وقال أبو حمادة لـ"نوى": "معظم العائلات بغزة، سواءً كانت بدوية أو حضرية تستمتع بمشاهدة الجمال وهي ترقص، وهذا ساعد في فتح مجال عمل جديد باستخدام الإبل، من خلال تأجيره لأداء فقرات في حفلات الزفاف الشعبية".
وأشار إلى أن قيمة إيجار الإبل مع جمّاله (سائقه)، لإحياء حفلات الزفاف لعدة ساعات تبلغ في المتوسط 200 شيقلاً، وهو ما يعد ربحًا جيدًا جدًا مقارنةً بالمستوى المعيشي المتردي بغزة.

وخلال موسم الصيف، تنتشر عشرات الجمال والنياق على شاطئ بحر غزة، كمصدر لتحقيق الربح لأصحابها، إذ يمتطيها المستجمون والمصطافون على شاطئ البحر مقابل مبلغ من المال.
وشهد قطاع غزة أول استيطان للبدو مطلع القرن الثامن عشر الميلادي، حيث رحلت قبيلة بني عامر البدوية مصطحبة معها أعدادًا هائلة من الإبل، من صحراء النقب جنوبي الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948م، نتيجة صراعات قبلية، وسكنت الأطراف الشرقية لقطاع غزة في المنطقة الممتدة من وادي غزة (وسط) إلى رفح (جنوباً)- وفقًا لقول الخبير التاريخي ناصر اليافاوي لموقع "نوى".
وأوضح اليافاوي أن الإبل تعد أغلى ما ملك البدو على عدة قرون من الزمن، إذ كانوا قديمًا يقدّمون الإبل كمهر عند الزواج، كما كانت تُقدم كفدية لإنهاء النزاع بين عائلتين نظرًا لقيمتها العالية لديهم.
ولفت النظر إلى أن ارتباط الإبل بالعرب يعود إلى أبعادٍ دينية ترتبط بقصة ناقة النبي صالح عليه السلام، الذي بُعث لهداية قوم (ثمود) في منطقة تقع بين مدينتي تبوك والمدينة المنورة في السعودية عام 3000 قبل الميلاد، لذلك فإن الإبل تعد مقدسة لدى العرب.
وكانت القبائل العربية قديمًا تتباهى بامتلاك أكبر عدد من الإبل، وكان العرب يتغزلون بها ويمدحونها في أشعارهم، كما أن الله عز وجل اتخذ من الإبل نموذجًا لعظمة خلقه، بقوله تعالى (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت) سورة الغاشية الآية 17.
وتشير التقديرات المحلية إلى وجود نحو 800 رأس إبل في قطاع غزة، بعد أن كانت قبل سنوات عدة آلاف، وتتناقص أعدادها بشكل مستمر مع تناقص مساحات المراعي الخضراء على حساب الزحف السكاني.
