مصدر دخل لأصحابها ومكاره صحية بالجملة
تاريخ النشر : 2023-02-26 08:24

غزة :

"كانت شرفة البيت ملاذنا للحصول على بعض الترفيه، نقضي فيها معظم وقتنا، لكن منذ أنشأ جارنا أكشاكًا لتربية الدواجن والأرانب قبل نحو عام ونصف، وشرفتنا مغلقة، لا نجلس فيها مطلقًا بسبب الرائحة الكريهة".

بهذه العبارة بدأت المواطنة مرام صبيح (32 عامًا) التي تسكن حي الزيتون شرق مدينة غزة حديثها لـ"نوى"، شارحة حالها منذ قرر جارهم تربية الدواجن والأرانب على سطح منزله، الأمر الذي "تنتشر بسببه رائحة فضلات هذه الكائنات في المنطقة، حتى باتت نسمات الهواء مغمسة بالرائحة الكريهة على مدار الساعة"، حسب وصفها.

توضح صبيح -وهي أمٌ لأربعة أطفال- أن شرفة منزلها تطلّ مباشرةً على سطح الجيران، الأمر الذي يزيد "الطين بلّة"، ملفتةً إلى أن أحد أطفالها يعاني من الربو، ويحتاج إلى هواء نقي دومًا، ما أثّر سلبًا على صحته، فضلًا عن انتشار الذباب والحشرات بشكل كبير في المكان. تطوّرت الأزمة إلى مشادة كلامية بين زوج مرام وجاره، ما تسبب في الخصام بينهما حتى اليوم.

في قطاع غزة الذي ترتفع فيه ظاهرتي الفقر والبطالة، يجد الكثير من المواطنين من تربية الدواجن والحمام أعلى أسطح منازلهم وسيلةً للحصول على مصدر دخل، مع اشتداد الأزمات الحياتية.

في المقابل، يبدي جيران هذه المنازل تذمّرًا لوجودها في أحيائهم السكينة، بكل ما تحمله معها من مخاطر صحية، خاصةً على الأطفال والحوامل وكبار السن، تؤدي إلى الإصابة بأمراض تنفسية وجلدية، ما دفعهم للمطالبة بنقلها خارج التجمعات السكنية إلى مناطق أخرى كالأراضي الزراعية، على قاعدة "لا ضرر ولا ضرار"، لكن هذه المطالب لا تلقى آذانًا مصغية.

يقول المواطن أبو وسام القوقا، واصفًا معاناته مع جاره الذي يُربّي الحمام على سطح منزله: "رغم أن رسولنا الكريم أوصانا على سابع جار، لكن بعض الجيران يتصرفون بلا ضمير، ولا يهتمون بمصالح جيرانهم".

ويوضح القوقا أن هذه العادة تجلب معها الكثير من المخاطر والأضرار مثل جلب الحشرات والرائحة الكريهة في المنطقة، ما ينغّص حياته وعائلته.

وبيّن أنه توجه إلى جاره واعترض على تربيته الحمام أعلى سطح منزله، لكن الجار أخبره بأن هذا المشروع هو مصدر رزقه الوحيد الذي يعتاش منه، وأن إغلاقه سيؤدي به إلى المزيد من الفقر والحاجة.

في المقابل، يدافع أصحاب أكشاك الدواجن المقامة فوق أسطح منازلهم عن حقهم في إنشاء مشاريع صغيرة توفّر مصدر رزق يجعلهم قادرين على إعالة أسرهم في ظل ضيق الحال، حيث تصل نسبة البطالة في قطاع غزة إلى 54.9%، بينما فاقت معدّلات الفقر 75%، وبات نحو 80% من المواطنين المقدّر عددهم بـ 2 مليون نسمة، يعتمدون على المساعدات الإنسانية.

المواطن زايد أبو سلطان (43 عامًا) من سكان شمال قطاع غزة، كان يعمل سائقًا في وقتٍ سابق، لكن مركبته أصبحت قديمة، ولا يملك المال الكافي لشراء سيارة جديدة، فاتجه لتربية الحمام والأرانب فوق سطح منزله، وبيعها في الأسواق، ما حقق له دخلاً جيدًا.

وقال أبو سلطان الذي يعيل أسرته المكونة من 7 أفراد: "أملك في مزرعة الدواجن الخاصة بي 40 زوجًا من الحمام و16 زوجًا من الأرانب، وأعمل على تربيتها وتحقيق التكاثر بينها، الأمر الذي يعود عليّ بتحقيق كسب مادي يصل إلى 25 شيقلًا يوميًا تكفي لتوفير طبخة اليوم واحتياجات أسرتي البسيطة".

وبيّن أن مزرعته الخاصة فوق سطح منزله تعدّ مصدر دخله الوحيد، في الوقت الذي تنعدم فيه فرص العمل، مشيرًا إلى أنه تلقي العديد من الشكاوى من الجيران بسبب وجود هذه المزرعة في منطقة سكنية "إلا أنني أخبرتهم أنني لا أملك أي خيار آخر".

وأضاف: "من يريد أن يغلق مصدر دخلي الوحيد فليتفضل ولينفق على أسرتي، دون ذلك لا أستطيع إغلاق مشروعي الصغير، لأنني سأتحول بعدها إلى متسول في الطرقات".

ويؤكد الطبيب البيطري د.عامر جودة أن الحيوانات والطيور تشكل وسيلةً لنقل أكثر من 200 مرض معدٍ، تُعرف بالأمراض المشتركة التي ممكن أن تنتقل من الحيوان إلى الإنسان بطرق مختلفة من خلال البيئة المحيطة، مثل السالمونيلا، والليستيريا، والإيكولاي، وهي أمراض بكتيرية وجراثيم تنتقل للإنسان من خلال اللمس، أو الهواء، في محيطٍ تتواجد فيه الدواجن والطيور المختلفة.

ويشير جودة إلى أن معظم الأمراض التي أصابت سكان العالم في القرن الماضي كانت ناجمة عن الحيوانات والطيور، وأن وجود هذه الطيور في أماكن سكانية يساعد في انتشار انفلونزا الطيور، حيث تكون بعض الطيور مصابة بها، وتنقلها الحشرات (كالذباب) إلى الإنسان.

ويقول جودة: "إلى جانب الحشرات والرائحة الكريهة، فوجود هذه الأكشاك يؤثر على صحة الحوامل وكبار السن والأطفال بشكلٍ أساسي، خاصةً وأن مناعة هذه الفئات تكون منخفضة، وأكثر عرضة للإصابة بالأمراض المختلفة، وخاصةً التنفسية".

وعن الأمراض الجلدية، بيّن جودة أن الحساسية تعدُّ أهم الأمراض التي تصيب المواطنين المقيمين في أماكن تحتوي على مزارع دواجن، بالإضافة إلى حالات مرضية أخرى مثل الالتهابات الجلدية الشديدة، واحمرار الجلد، والانتفاخات وصعوبة التنفس.