بالأمس، كنتُ أطل من نافذة بيتي، فسمعت في الشارع صوت طفلٍ تقفز الفرحة من بين كلماته: "إضراب، إجازة، خميس وجمعة يا سلام".
حسنًا إذن: "ماذا استفادت نابلس من إضراب المدارس في قطاع غزة؟"، أو "هل يعرف الطلبة لماذا هم متعطلون عن مدارسهم اليوم؟"، سألت "نوى" بعضهم بشكلٍ عشوائي، فأجاب محمد (11 عامًا): "علشان نابلس"، دققنا في السؤال أكثر: "بتعرف شو صار بنابلس يا محمد؟"، ليردَّ فورًا: "في شهداء".
"ميريام" ابنة التسعة أعوام حالةٌ أخرى، كانت تجتمع مع بنات الجيران أسفل عمارة، تلعب الحجلة، وتضحك. تقول: "اليوم إجازة، وأعتقد في شهداء في جنين".
الآن سأوجه السؤال -أنا معدة هذا التقرير- لوزارة التربية والتعليم، وعلى أولياء الأمور أن يشاركوا في الإجابة: "ألم يكن من باب أولى، التعميم باستمرار الدراسة، مع تخصيص اليوم، أو بعض الحصص الدراسية للحديث عن واقع الحال في نابلس؟! ألم يكن من باب أولى إطلاع جيل الآبل والتيك توك على ما يحدث في فلسطين، نابلس وجنين والخليل.. الأقصى وغزة؟ إلى أين وصل الاستيطان؟ تاريخ الجرائم الإسرائيلية. ألم يكن من باب أولى، تنظيم وقفات حقيقية داخل المدارس للطلبة، يرفعون خلالها لافتات الانتماء لهذا الوطن الجريح؟ ويهتفون باسم مدنه النازفة كلها. أن يتعرفوا على شهداء اليوم والأمس، فيسجلون في تاريخ الصراع موقفًا -ولو طفوليًا- يربّي في قلوبهم انتماءً حقيقيًا لا يمكن لإضرابٍ أو "عطلة" كما يراها معظم الطلبة أن يحققه؟!
إضراب شامل، ولا ذهاب للمدارس اليوم، هذا هو كل ما كان يهم مصطفى (9 سنوات). قفَزَ في الهواء، معبرًا عن فرحته بيوم الإجازة المفاجئ. لم يسأل عن السبب، ولم يكن يعنيه ذلك، وبدأ يهيئ نفسه لتمضية هذا النهار في اللعب مع أقرانه الكرة في الشارع.
وكانت وزارة التربية والتعليم، أعلنت مساء الأربعاء الماضي في بيانٍ نشرته على موقعها، تعليق الدوام اليوم الخميس 23 شباط/ فبراير 2023م، في كافة المدارس الحكومية، والخاصة، ورياض الأطفال، استجابةً لنداء الفصائل الوطنية والإسلامية، وتلبيةً لدعوتهم للإضراب الشامل، تضامنا مع مدينة نابلس التي فقدت أمس 11 شهيدًا في جريمة إسرائيلية نكراء داخل بلدتها القديمة.
"حزينة أنا على ما حدث في مدينة نابلس، وعلى من ارتقوا شهداء، لكنني لا أعرف ما الفائدة التي يمكن أن نحققها من عدم الذهاب للمدرسة؟" تتساءل سجى عطالله، الطالبة في الصف العاشر.
تضيف: "يمكنني أن أتفهم أن الإجازة منحت تحسبًا لحدوث تصعيد، أما أن يكون الإضراب تضامنيًا، فهذا ليس من المنطق ولا من المصلحة في شيء".
وكما كل قضية يتم الاختلاف حولها، تأتي ردود الفعل متباينة حول الإضرابات في قطاع التعليم، ومدى جدواها فيما يخص القضية الفلسطينية، أو التصعيد في مدن الضفة الغربية.
ذات السؤال يطرحه الكاتب شجاع الصفدي، الذي أعادت له هذه الإضرابات ذكريات الانتفاضة الأولى، فقال: "كنا نهلل عندما يأتي الملثمون ليخرجونا من الدوام معلنين الإضراب، وكبرنا لنصبح ملثمين نُخرِج الطلبة من المدارس، نشعل الإطارات فيعلو الدخان ويتسرب للمنازل، ونتهم من يعترض أو يشتكي بالتخاذل وعدم الوطنية، وعندما نضجتُ أكثر، دار في ذهني سؤال مُلِح: ما الذي يؤذي الاحتلال فيما نفعله؟ إن كان يسعى لتجهيلنا، فنحن بالإضراب نساعده، ونلغي الدراسة، ونخرج الطلبة من مدارسهم، وإن كان يسعى لنشر المرض، فنحن نساعده ونشعل الإطارات ليقتلنا دخانها المسرطن!
ويرى الصفدي أننا "بذلك كنا نعاقب أنفسنا -ولا زلنا- نتبع نفس الطريقة في التعبير عن الغضب، دون أن نسأل أنفسنا: ما الذي سيحزن الاحتلال أو يضره حين يمتنع آلاف الطلبة عن الدراسة؟!
وفي تعقيبٍ لـ"نوى"، وصف الكاتب والمحلل السياسي توفيق أبو شومر الإضرابات في المؤسسات التعليمية، بمثابة جريمة بحق الأجيال القادمة، ملفتًا إلى أنها وسيلة احتجاج عقاب ديمقراطية، طالما استخدمناها كفلسطينيين، ضد الاحتلال، بالإضراب عن العمل في المؤسسات التي يديرها المحتل، وليس في المؤسسات التي نديرها نحن وتخدمنا!
وأشار أبو شومر، إلى أن المدراس في العالم كله، تربط كفاءتها وقوتها بمدى انتظام الطلبة في المدارس، وعدد الساعات التي يمضونها هناك، "وفي المقابل نحن نهدر بالاضرابات أوقاتًا أكبر بكثير مما هو مطلوب تحقيقه" يعقّب.
ويضيف: "على الفصائل والقوى الوطنية، أن تدرك أن هذه الإضرابات تؤذينا نحن ولا تؤذي الاحتلال، لا سيما وأن بعض من ينفّذونها يمكن أن يتعاملوا بأسلوب غير مسؤول فيشعلون الإطارات على سبيل المثال، ما يعد جريمة إضافية بحق البيئة والصحة العامة".
ويرى أبو شومر أننا كفلسطينيين لا نفلح في تسويق احتجاجاتنا أو إيصال رسالتنا، "في الوقت الذي يتبع العالم فيه طرقًا إيجابية للتعبير عن الاحتجاج، بساعات عملٍ إضافية، أو تنفيذ الإضراب في يوم العطلة الأسبوعية".
وشبه الإضراب عن الدراسة، ككاتبٍ قرر تمزيق كتبه وتكسير أقلامه احتجاجًا على قرّائه فما أضر إلا نفسه، "والمطلوب، إعادة صياغة طرق احتجاجنا، وإدراك الهدف من هذا الاحتجاج، وقياس ما إذا يحققه أو لا، معقبًا: "من المهم أن نعمل على تخصيص احتجاجاتنا لتوعية الطلبة بالقضية، والحديث عن الانتهاكات والجرائم الإسرائيلية، وتحويل اليوم ليوم وطني بامتياز".
