غزة:
على شاطئ بحر منطقة الشيخ عجلين جنوب غرب مدينة غزة، تقف شابة في مقتبل العمر أمام استراحة، تعدّ الشاي تارة، وتحمل طفلتيها لتداعبهما تارةً أخرى.
ووسط استغراب المارّة من عمل سيدة في هذا المجال، تُوزع الشابة انشغالها بين تلبية طلبات الزبائن، ورعاية طفلتيها اللتين تحملهما معها، ومع ما يبدو عليها من إرهاق، ثمة ملامح قوة تغطي ابتسامة عريضة تبتلع وجهها النحيل.
وفي تفاصيل القصة، تدعى الشابة نعمة الفقعاوي (33 عامًا)، وفي مكان تنتشر فيه الاستراحات التي يديرها الذكور على شاطئ بحر غزة، نعمة هي السيدة الوحيدة التي تعمل في هذا المجال، ولوهلة قد تظن أنها عاملة، ولكن الحقيقة فإن نعمة هي صاحبة المكان أيضًا!
تضع نعمة طفلتها جانبًا وهي تروي قصتها لـ"نوى": "قبل ثلاث سنوات كان لدى زوجي كشك صغير على شاطئ بحر الشيخ عجلين، وعندما أزالت البلدية الأكشاك، سمحت فقط بافتتاح الاستراحات. أصبح وضعنا المادي سيء جدًا وهنا أقنعت زوجي بضرورة افتتاح استراحة، ودفع التكاليف لبلدية غزة".
هنا كانت صدمة بانتظار نعمة وزوجها، فالرسوم التي يتوجب دفعها للبلدية تبلغ 2500 دولار، مبلغ لا طاقة لهما به، وهنا اقترحت عليه تقسيط المبلغ واضطرا لاستدانة الدفعة الأولى، وبالفعل.
نعمة، هي خريجة تعليم أساسي، لكن على مدار سنوات تخرجها لم يساعدها الحظ بالحصول على أي فرصة عمل، ولما وجدت ضرورة إعالة أسرتها، وجدت نفسها حاضرة وبقوة كما تؤكد.
قطعت حديثها لتحضّر طلبات الزبائن من الشاي الذي زوّدته ببعض أوراق الميرمية، إضافة إلى قهوة تركتها تغلي "على مهل"، فنعمة تجزم أن طريقة تحضير هذه المشروبات، تُكسبها طعمًا يجعل الناس يشعرون بالسعادة.
تكمل: "واجهتنا مشكلة أخرى: كيف يمكن تجهيز الاستراحة؟ قام زوجي ببيع أثاث غرفة النوم الخاصة بنا، وشاشة تلفاز كانت هدية زوجي مع بيع الثلاجة، والاستدانة أيضًا لتوفير تكلفة فتح الاستراحة".
افتتح الزوج الاستراحة واستعان بعمال لمساعدته في البداية، ولكن لم تشعر نعمة بالراحة للأمر، وهنا قررت مشاركة زوجها في العمل، وتقاسم أوقاته تمامًا مثلما قاسمته كل تفاصيل مهمة افتتاح الاستراحة، فأصبحت تستلم العمل منذ الثامنة صباحًا حتى بعد الظهر، ومن ثم يأتي زوجها ويكمل حتى منتصف الليل.
تتابع: "عادة أستلم الاستراحة صباحًا نظيفة وجميلة، زوجي يقوم بمهمة تنظيفها وتنظيم الطاولات، وأحيانًا أستعين بجيراننا في بعض الأشياء، والكل متعاون، ورغم أن عملي غير معتاد للنساء ولكن شعرت أن الناس تقدّرني وتحترمني".
تحمل نعمة طفلتين على يديها، وثالثة في أحشائها، وهي تعتني بهن جيدًا وفي ذات الوقت بصحتها. تستيقظ صباحًا وتجهز طفلتها الأولى لتوصلها إلى الروضة، ومن ثم تعود لترتيب البيت وتجهيز الإفطار لزوجها ثم تخرج إلى الاستراحة، مهمات مضاعفة تتحملها، لكنها تنظر إلى مصاعب الحياة بعين الرضا، وإن كست تفاصيل وجهها ملامح حزن لا تخفيها الابتسامة الباهتة.
تتابع نعمة: "نحتاج الكثير من الأمور لتطوير الإستراحة ولتصبح مكانًا مشجعًا للزوار، يلزمنا معرش خاصة وقد دخلنا فصل الشتاء، وتجهيز طبقة ثالثة من الكراسي والمراجيح، وطاولات وزينة ملونة لتحسين الدخل، وتوفير اشتراك كهرباء، فنحن نشتري الكهرباء بسعر 2 شيكل للكيلو من جار الاستراحة، كوننا لا نمتلك ثمن الاشتراك".
تصمت قليلًا ثم تتنهد وتكمل: "أيضًا ما زال بانتظارنا تسديد رسوم البلدية، فخلال ثلاث سنوات تجمع علينا مبلغ 2700 دولار لم نستطع تسديدها، فنحن نعيش على المواسم، كما أنني أعيش في بيت بسيط جدًا يخلو من أي مقومات لحياة جيدة، ويحتاج إلى تأثيث وأدوات كهربائية وغسالة".
ورغم نظرات الاستغراب التي تلاحق نعمة مع كل من يراها لأول مرة في هذا المكان، وهي تقدم الشاي والقهوة للزبائن، لكنها تصرّ على المواصلة فلا شيء يعيب سوى الجلوس والشكوى.
لكنها تبتسم ابتسامة باهتة وتكمل: "رغم استغراب الناس، لكن صدّقي أن زوجات أصحاب الاستراحات همسن في أذني عدة مرات برغبتهن الدفينة في مشاركة أزواجهن العمل، فالاستراحة من وجهن نظرهن مشروع العائلة الشخصي، ولديهن رغبة في المشاركة بالحفاظ عليه ورعايته".
