شغف ودهشة.. 200 عام من تاريخ الخليل تعود رقميًا!
تاريخ النشر : 2022-11-17 08:32

الخليل:

"كنا نشعر بالغربة عندما نناقش أعمالًا ثقافية، أو روايات لمدن أخرى، نشعر أننا فقراء، وأحيانًا معدومي الشخصية. تائهون إلى أن وصلنا إلى تاريخنا"، بهذه الكلمات وصف الشاب أحمد الحرباوي الشعور الذي أوجد بداخله دافعًا، حمله للانطلاق في رحلة لتوثيق تاريخ مدينة الخليل.

أحمد وإلى جانبه 40 متطوعة ومتطوعًا، انطلقوا في حملة لتوثيق تاريخ مدينة الخليل رقميًا، وذلك بتوثيق التاريخ الشفوي عبر مقابلات معمّقة مع كبار السن ممن عايشوا مراحل تطوّر المدينة، وعاداتها، وأغانيها التراثية، إلى جانب أرشفة كل ما يقع في أيديهم من أوراق ووثائق وصور.

يقول أحمد: "عملنا في الحقل الثقافي جعلنا نرى الإرث الفني الثقافي الذي تمتلكه المدن الفلسطينية بما فيها مدينة الخليل، وكم هي مظلومة لا تحظى بالاهتمام الكافي".

بدأ العمل على الأرشيف الرقمي منذ عام 2018م على عدة محاور، جمع الأغاني الشعبية وما تحمله من قيم اجتماعية، حيث تم إطلاق ثلاث أغانٍ أولها "يا حب البرغل" وغنتها المطربة دلال أبو آمنة، والثانية "ع السفربلك" غنتها المطربة سناء موسى، والثالثة "يا داعسة" غنتها ناي البرغوثي، وما زال العمل جارٍ على إنتاج أغنية رابعة.

من ناحية ثانية جمعت المبادرة كل ما وصلت إليه أيدي الفريق من وثائق مثل وثائق البيع والشراء وجوازات السفر وشهادات الميلاد وغيرها، توثيق لفترة مهمة من تاريخ المدينة التي نشأت قبل أكثر من 6000 عامٍ، التي عُرفت في العصر القديم بعدة أسماء هي قرية أربع (نسبة لاتحاد أربع قبائل كنعانية)، وحبرون، وتعني التجمع والاتفاق والصحبة، وهي ليست كلمة عبرية.

أقدم وثيقة حصل عليها الفريق تعود للعام 1803م، وأحدثها للعام 1930م، وتنبع أهمية الأخيرة من كونها متعلقة باحتلال البلدة القديمة، والاستيطان، وملكية الناس للمحال والبيوت في البلدة، أما النطاق الثالث للمبادرة فهو جمع التاريخ الشفوي من خلال مقابلات أجريت مع كبار السن.

نقص المعلومات حول مدينة الخليل، دفع الحرباوي ومجموعة من المتطوعين الذين انطلقوا بأربعة وصولًا إلى 40، وبجهدٍ ذاتي باشروا بجمع الوثائق بأنفسهم في مختبر السرديات الفلسطيني التابع لنادي الندوة الثقافي.

يشرح أحمد: "كانت هذه محاولة منا لإنشاء قاعدة بيانات لمدينة الخليل، فنحن نتحدث عن 200 عام من تاريخ المدينة المرتبطة بتطور الهوية الفلسطينية، جمعناها من أرشيف الناس الشخصي".

الأرشيف الرقمي كان تجربة مميزة لكل من عمل فيه من المتطوعين والمتطوعات، وشهد إمام كانت من أوائل من انضموا للفريق بحكم عضويتها في نادي الندوة الثقافي، وعملت مع فريقها على جمع المعلومات وإجراء المقابلات.

كغيرها من شباب الخليل الذين أنهكهم واقع الحياة القاسي فيها، وتملّكهم شعور بالضيق والرغبة، وجدت في هذا التطوّع تجربة كانت الأغنى بالنسبة لها.

تقول شهد: "جمع الأرشيف الرقمي للخليل، وضّح لي ملامح المدينة، وكم هي غنية بالحضارة، وصحح الكثير من المعلومات المغلوطة لدي، وعزز انتمائي للمدينة".

نقص المعدات، وضغط الوقت، وعملية فرز الوثائق، وترجمتها، ورفعها على الموقع، الذي يتطلب فريقًا كاملًا لذلك، من أبرز المعيقات التي ذكرتها شهد، وتضيف إلى ذلك "لدينا وثائق إلى الآن تحتاج لمن يقوم بترجمتها، كونها مكتوبة بخط اليد وتحتاج إلى الدقة".

الشغف بهذا العمل، والدهشة بما يحصلون عليه من صور ومعلومات ووثائق، كانت بالنسبة للفريق وقود الاستمرار مثلما تؤكد شهد، التي تضيف: "في كل مرة نسمع فيها قصة جديدة ومعلومة جديدة، تفتح الآفاق لأسئلة وجودية أخرى، تزيدنا حماسًا للاستمرار".

لم يحظ الفريق على أي دعم سواء من جهة حكومية أو غير حكومية، رغم تواصلهم مع العديد منها، لكن هذا لم يؤثر على إصرارهم في المواصلة نحو الهدف.

واحتضن الأرشيف الرقمي للمدينة وثائق تعود لمواضيع مختلفة، منها ما هو متعلق بجمعية سيدات الخليل من صور وانتخابات وغيرها، ومنها ما هو مرتبط بالفن والمسرح، لكن أهم السرديات التي حصل عليها الفريق تلك المتعلقة بالبلدة القديمة للمدينة وتطور ملكيتها، مثل محاضر التحقيق الخاصة بمجزرة عام 1929 التي ارتكبها الانتداب البريطاني ضد اليهود الذين استخدموها لكسب التعاطف والتأييد، وأثبتت الوثائق أن الفلسطينيين كانوا يدافعون عن جيرانهم اليهود.

عودة إلى الحرباوي الذي يؤكد إن أهمية امتلاكنا لسرديتنا الخاصة بالتاريخ مدعومة بالحجج والوثائق، في ظل التهويد الذي تشهده المدينة، لنقدمه للعالم بلساننا بدلًا من تلك المكتوبة بأيدي غيرنا.

يتابع: "لدينا ثقافة غنية، عندما فقدناها فقدنا ارتباطنا بالأرض والمكان، ومن المهم تسليط الضوء عليها لإرجاعها وإرجاع تلك الملامح للأماكن".

أرشيف الخليل الرقمي، كان البيت الثاني لكل من عمل فيه، ربطت الجميع روح عائلية وجعلتهم "عائلة الأرشيف"، الفريق اضطر للعمل حتى في أيام الجمعة، ما دفعهم لصنع أجواء عائلية، ووفقًا لشهد: "كنا نحضر معنا الطعام والحلويات، نكمّل بعضنا البعض كي نخفف من ضغط العمل".

اكتمل إذن الهدف الذي سعى له الفريق منذ سنوات، وكان سببًا في زيادة ارتباطهم بالمجتمع، يصف أحمد النتيجة: "أشعر بالرضا والتصالح الذاتي أولًا ثم التصالح المجتمعي. إن الوصول إلى كل هذه المعلومات جعلنا أكثر انتماءً للمجتمع".