بعد رمضان.. خللٌ في عقارب الساعة البيولوجية
تاريخ النشر : 2022-05-08 15:05
صورة تعبيرية

غزة:

"تنظيم النوم بعد رمضان أصعب من تنظيم الأسرة" قالتها الشابة أمل بريكة وهي تضحك، ثم أضافت: "ها أنا أذهب إلى عملي، وما زلت أشعر بالنعاس الشديد. أحاول إعادة تنظيم حياتي، لكن الأمر يحتاج إلى بعض الوقت".

بعد انقضاء شهر رمضان، يشتكي الناس صعوبة تنظيم نومهم نتيجة اعتيادهم على نمط حياةٍ مختلف طوال شهرٍ كامل، يستيقظون فيه فجرًا وينامون خلاله في وقتٍ متأخر، "وهذا يضرب الساعة البيولوجية، ويعيق العودة للنظام الطبيعي الذي كنا نتبعه قبل رمضان" تعقب.

والساعة البيولوجية، هي التغيرات الحيويّة والنفسية التي تتبع دورة الساعة الحيوية خلال 24 ساعة  وفق أنماطٍ سلوكية دورية إيقاعية منتظمة، تتفق غالبًا مع دورة الليل والنهار، أو مع تعاقب الفصول، أو مع دورة المد والجزر، أو التموّجات التي تحدث في العوامل البيئية.

تتجلى المشكلة بوضوح بالنسبة للموظفين والموظفات، إذ يقع على عاتقهم عبء التغيير السريع في نظامهم من أجل الالتزام بمواعيد الدوام الرسمي، كما كان قبل شهر رمضان.

تقول أمل التي تعمل مذيعةً في إذاعة محلية: "قبل رمضان كنت أصل إلى مكتبي صباحًا بكل نشاط، وأُباشر العمل، لكنني الآن أشعر بالتعب والإرهاق".

خلال شهر رمضان -كما تحكي أمل- كانت تضطر للسهر مع الضيوف الذي يزورون بيتهم بعد صلاة العشاء، ثم صلاة التراويح وقيام الليل في غالبية الأيام خاصةً في العشر الأواخر، ثم النوم لمدة قصيرة والاستيقاظ تمام الثانية والنصف بعد منتصف الليل من أجل تحضير السحور، الذي لا يفصل بينه وبين وقت العمل أكثر من ساعة.

وتكمل أمل: "هذا الواقع يؤدي إلى إصابة الموظفات والموظفين بحالةٍ من النُعاس المستمر نتيجة عدم كفاية النوم، والشعور بالصداع والإرهاق"، مشيرةً إلى أن الأمر بالعادة يأخذ منها بضعة أيام قبل أن تعود للحياة الطبيعية.

أما الشاب كمال عبد الله وهو موظفٌ حكومي، فكان يرد على تساؤلات "نوى" متثائبًا، إذ ما زال يشعر بالنعاس رغم محاولته التي وصفها بالبائسة للاستيقاظ مبكرًا والذهاب إلى عمله بكل نشاط.

يقول: "في بداية رمضان كنا نسهر حتى وقت السحور فجرًا، وفي أواخره كذلك بسبب صلاة قيام الليل، وهكذا اختلفت مواعيد النوم لدينا تمامًا. عن نفسي لم أعد قادرًا على النوم مبكرًا أبدًا".

ولا تنسوا الزيارات العائلية التي تُذهب النوم من العين -يستدرك كمال- "فإذ انقضى وقت نومي الذي اعتدتُ عليه لم أعد قادرًا على النوم أبدًا، إلا لو غفوتُ مرهقًا تحت تأثير التعب".

يضيف: "في أيام العيد شعرتُ بالنعاس الشديد أثناء الزيارات العائلية، ولمّا كان موعد دوامنا يوم الخميس طلبتُ من أصدقائي أن يتصلوا بي ليساعدوني على الاستيقاظ". يكمل ضاحكًا: "جبتك يا عبد المعين تعين، كلهم راحت عليهم نومة".

يتابع: "غفوتُ أكثر من مرةٍ في المكتب، لكنني مصرٌّ هذا الأسبوع على إجبار نفسي على عدم النوم في النهار كي أستطيع العودة لنظامي الطبيعي، والنوم مبكرًا، والاستيقاظ بنشاط".

الأخصائيّة النفسية د.آيات أبو جياب تعرف الساعة البيولوجية بأنها عبارة عن منظم ثابت للوظائف الفسيولوجية لجسم الإنسان على مدار 24 ساعة، "وهي أداة فطرية ربانية تتحكم في إفراز الهرمونات ودرجة الحرارة، والجوع، والشبع، والنوم، ومواعيده"، فيما يعدّ هرمون الميلاتونين المسؤول عن إفرازها بشكل أساسي، وهي موجودة في الغدة الصنوبرية في الدماغ، ومكان هذه الخلايا العصبية موجودة في منطقة اسمها النواة (أعلى منطقة الترقوة).

ويؤدي الخلل في الساعة البيولوجية إلى مشاكل صحية ونفسية، لأن تغيير عادات معينة مثل النوم أو النظام الغذائي يؤثر عليها، ويحتاج الإنسان إلى وقتٍ للتكيُّف مع هذا التغيير.

تردف أبو جياب: "هناك أشخاص لديهم مرونة نفسية وجسدية في التكيف، خلال رمضان يكون من السهل التكيُّف مع وضع السحور في الفجر والإفطار مساءً".

ومن المتعارف عليه -حسب د.آيات- أن الإنسان ينام ما بين 7 و8 ساعات، وإذا حدث تأخير يزداد تأخّر تنظيم الساعة البيولوجية.

وتعد أبرز المشاكل الناتجة عن خلل الساعة البيولوجية كما توضح د.آيات، الشعور بالخمول، والكسل، والتأخير في مواعيد الاستيقاظ وفي المهام اليومية، والشعور بالتقلُّب المزاجي لأن الساعة البيولوجية تؤثر على المزاج، وتُحدث نوعًا من الضغط النفسي بسبب تراكم المهمّات اليومية، "وشعور الإنسان بالتقصير يؤثر على الشخص وراحته ومواعيد نومه"، ناهيكم عن أن خلل الساعة البيولوجية إذا زاد عن حده يمكن أن يتسبب بأمراضٍ كثيرة مثل القلب والسكري.

وتقدم أبو جياب مجموعة نصائح لمن يعانون اضطراب الساعة البيولوجية بعد الشهر المبارك، وأبرزها، تأجيل المهام التي سننجزها ليلًا حتى الصباح، وعدم تناول وجبات ثقيلة تسبب التخمة، والحد من تناول المنبهات، والاعتماد قدر الإمكان على مشروبات دافئة تهدئ الأعصاب مثل البابونج والنعناع، والتغيير التدريجي في مواعيد النوم، وعدم النوم نهارًا، وعدم ممارسة الرياضة في وقتٍ متأخر.

كذلك من المهم-حسب أبو جياب- أن يكون لدينا أفكار ووعي حول الساعة البيولوجية "التي تعمل بشكل فسيولوجي بطبيعة الحال، إلا أن للإنسان دور في تنظيمها من خلال العمل على الفكرة والسلوك، والنوم بمواعيد معينة، وتناول الطعام بمواعيد منتظمة".