غزة:
نحو 25 دقيقة هي المسافة بين قلب مدينة غزة، وقرية جحر الديك أقصى جنوب شرق المدينة. دخول المكان يتطلب المرور عبر الكثير من الشوارع الترابية الزراعية الضيقة في ظل عدم وجود شبكةٍ للمواصلات، لكن بصراحة؛ زيارة السيدة أمل أبو عيسى تستحق هذا الجهد.
أبو عيسى وهي مديرة جمعية "الآمال الخيرية" التي تخدم نحو 7000 إنسان يسكنون القرية المهمّشة، قضت أكثر من ربع قرن من حياتها تعمل على إحياء معالم المكان. تقف على رأس عملها "متطوعة"، وتدير جمعيتها من خلال الطابق السفلي في بيتها، وتفخر بما حقّقته وتأمل بالمزيد.
بدأت علاقة أمل بالقرية عام 1997م، عندما عملت منسقةً لمشروعٍ بجمعية "سنابل"، وكانت المناطق الريفية شرق قطاع غزة ضمن مسؤوليتها. في ذلك الوقت، لمَست حاجة القرية لكل الخدمات التي تتمتع بها مراكز المدن تقريبًا، "فهي معزولة تمامًا عن باقي مناطق القطاع، لا شبكة مواصلات فيها، ولا مدارس، ولا رياض أطفال، ولا حتى مستوصف، أو بلدية! معظم سكانها يعملون في الزراعة، ويعانون مشكلات كثيرة على رأسها التسرب من المدرسة" تقول لـ "نوى".

عملت أمل منذ تخرجها من تخصص اللغة العربية والمواد الاجتماعية عام 1989م، أمل مع عدة مؤسسات في مجال تنسيق المشاريع، لكن جحر الديك تحديدًا استحوذت على الكثير من تفكيرها واهتمامها، لما لمسته من حاجة الناس هناك للخدمات في كل المجالات.
تضيف: "بدأت بإعطاء جلسات توعية مستضافة في بيوت المواطنين، وكان الاحتياج العاجل للنساء روضة أطفال، حيث كان يحرم الصغار من التعليم لعدم توفر روضة، تخيلوا!".
أخذت أمل على عاتقها مسؤولية تأسيس روضة أطفال، وقد بدا الأمر ميسّرًا عندما تبّرع السيد عيطة أبو عيسى بالطابق الأول من منزله، وعندما تلقت وعدًا من إحدى الجمعيات بتوفير الأثاث، لولا أنها تراجعت في آخر لحظة.
تعقب: "أمسكت على كلمتي، وأتممت المشروع من مالي الخاص، واستثمرت المكان في تنفيذ جلسات توعية، ثم سرعان ما بدأتُ أستثمر علاقاتي الواسعة في جلب بعض التبرعات، وهنا وجدتُ ضرورة إنشاء جمعية، فكانت نواة جمعية الآمال عام 1999م".
آنذاك تزوجت آمل من السيد عطية أبو عيسى، وانتقلت لتعيش بالكامل في القرية التي أصبحت أكثر اطّلاعًا على احتياجات الناس فيها. اختارت بنفسها اسم الجمعية، وصارت بمثابة "حلم" بالنسبة لها، لا سيما وقد علقت عليه الأمل في تيسير الاحتياجات الإنسانية والحضارية لأهل القرية، "ولهذا قررت أن لا مجال للتراجع بعد الآن" تردف.
تضع أمل كوب القهوة وهي تستذكر بشيء من الحزن التحديات الجسام التي واجهتها، عندما أسست الجمعية العمومية، فرفض الأعضاء وجودها كرئيسة! "وفوجئت بهم لدى سفري يضعون اسمي نائبًا للرئيس الذي كان رجلًا لا أحمل ما أحمله من مؤهلات لرئاسة الجمعية" تزيد.
لاحقًا، وبعد حربٍ ضروس، نُصّبت آمال رئيسةً لذلك "الحلم"، لولا أن بدأت تشهد بناظريها محاولات لما أسمته "إفشال" مشروع رياض الأطفال. تكمل: "أقسمت على المواصلة، ووضعت نصب عيني عدة أهداف، كان على رأسها: السعي لتعبيد شوارع في القرية تسهّل حركة الناس، وإنشاء مدرسة لوضع حد لتسرب الأطفال من المدارس –لا سيما الفتيات- وإنشاء مستوصف كي يتلقى الناس العلاج فيه، إلى جانب جلسات التوعية التي ظلّت مستمرة بالتعاون مع العديد من المؤسسات".
"كنت كمن يحفر في الصخر" تصف أمل عملها في إحياء المنطقة، شيئًا فشيئًا، أصبح لدى القرية مجلس بلدي، ومدرستان "لقد وفرنا على الأهالي عبء إرسال أطفالهم إلى خارج القرية للتعلم، حيث كانوا يسيرون لمسافات طويلة، وهذا ما تسبب بظاهرة التسرب".
وما أن بدأت أمل تلمس النجاح "واقعًا" في عملها الذي واصلته بكل جهد لسنوات، حتى شن الاحتلال الإسرائيلي عدوانه الأول على قطاع غزة عام 2008/2009، دمّر خلاله العشرات من منازل المواطنين، وجرّف مئات الدونمات الزراعية وأعاد القرية للوراء سنواتٍ طوال.
تقول: "أتذكر في تلك الحرب حُجزت مع 12 فردًا من عائلتي في غرفة ضيقة حين كانت القرية تتعرض للقصف بصواريخ (أف 16)، وما أن سنحت لنا الفرصة حتى نزحنا جميعًا إلى مدارس وكالة الغوث (..) لم أنتظر انتهاء الحرب؛ فتحت قصف الاحتلال بدأتُ بجلسات الترفيه والألعاب للأطفال داخل مراكز الإيواء، وبدأتُ بمتابعة احتياجات العائلات والنساء خاصة".
أثناء إدارتها للجمعية من خيمة
بعد عدة أيامٍ وضعت الحرب أوزارها، وعادت أمل إلى القرية –كما معظم من غادروها- لتشاهد ما خلّفه الاحتلال من دمار، تعلق بالقول: "شعرت أننا عدنا إلى نقطة الصفر، لكنني قررتُ أن لا وقت للانتظار ولا للتفكير حتى، رجعتُ للعمل من جديد من خلال جمعية الآمال وهي الوحيدة التي تخدم أهل القرية".
لكن قبل أن تنتهي عملية إعادة الإعمار للمنطقة المنكوبة، شن الاحتلال عدوان 2014م، وهذه المرة دمّر بيت أمل الذي يضم الجمعية أيضًا، "وهنا ضاع أرشيف 14 عامًا كاملة من العمل".
تصف المشهد بنبرة أسى: "عندما عدتُ إلى البيت كنت أجري على أنقاضه وأصرخ، حاولت إنقاذ أي شيء من تحت الأنقاض، لا يوجد شيء، لا أوراق، ولا جهاز حاسوب، البيت كله كان ركامًا".
حالة نفسية سيئة أصابت أمل، خاصةً وأن زوجها أصيب بالسكري نتيجة الصدمة التي تلقاها. إحدى المؤسسات الدولية، منحتها ثلاث خيام لتعود إلى العمل من خلالها، وبالفعل هذا ما حدث.
"رأيت في داخلي قوة عظيمة، دفعتني دفعًا نحو تخطي هذه المرحلة، ومن تحت الخيام أيضًا" تستدرك، وتزيد: "كانت المعاناة كبيرة، العمل من خلال خيمة لم يكن سهلًا، ما ننجزه بالوضع الطبيعي في شهر أصبح يتطلب عدة أشهر، وقد احتجتُ إلى عدد كبير من المتطوعين، وسعيت لتنفيذ تدريبات متعلقة بالدعم النفسي، خاصةً للأطفال الذين شهدوا مأساة الحرب".
المشاكل تراكمت فوق رأس أمل في تلك الفترة، ليس فقط لأنها فقدت بيتها، ومقر جمعيتها، بل بسبب تفاقم مرض زوجها، وتدهور صحته مع مرور الأيام، وصولًا إلى وفاته عام 2020م.
تضيف: "ظلّت الأوضاع تزداد صعوبة في ظل عدم اكتمال إعمار المنطقة، بل إن النساء اللواتي تعمل غالبتيهن مزارعات، كُنَّ يحتجن إلى الكثير من التدخلات التي لم تتمكن الجمعية بعد من تنفيذها كونها جمعية قاعدية، تستفيد من خدمات المؤسسات الكبرى، ولا تحصل على تمويل مباشر"، مردفةً بأسف: "هذا يزيد العبء عليها بشكل كبير".
ورغم أن أمل تعيش حاليًا في البيت بمفردها؛ إلا أنها تصر على مواصلة الدعم للنساء. "جميعهن يعرفنني، والجمعية أصبحت عنوانًا مهمًا لهن من أجل حل الكثير من المشاكل التي يواجهنها. أنا ما زلت أعمل متطوعة في الجمعية التي فتحت أبوابها من جديد بعد إعمار بيتي، حيث نجتمع ونعقد ورشات العمل" تتابع.
مرّت سنواتٌ طويلة، وما زالت السيدة أمل تطمح لأن تتمكن الجمعية من الحصول على تمويل مباشر، يسمح لها بتنفيذ المزيد من جلسات التوعية حول حقوق النساء، فكما ساهمت في تخفيف ظاهرة العنف، وتسرب الفتيات من المدارس، تأمل بحياة أكثر رفاهية للأطفال في هذه القرية المهمشة.
قصف مقر الجمعية وبيت أمل عام 2014

العمل من خلال خيم بعد عدوان عام 2014



من المقر الحالي المتواضع للجمعية

