غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
للعام الثاني على التوالي تقف أم عمر الهور عاجزةً عن تلبية احتياجات أسرتها في ظل عدم صرف مخصصات الشؤون الاجتماعية، ما دعاها إلى المشاركة مؤخرًا في الوقفة الاحتجاجية التي نظمها منتفعو "الشؤون" خلال الأسبوع الماضي أمام مقر الاتحاد الأوروبي في مدينة غزة.
الهور التي تجاوزت الأربعين عامًا، تُعيل زوجًا مريضًا، واثنين من الأطفال ذوي الإعاقة، تقول لـ "نوى": "إن تلكؤ السلطة في صرف المخصصات، وتبرير ذلك بعدم إيفاء المانحين بالتزاماتهم، بالتزامن مع الأزمة المالية التي تُعانيها هو ظلم ممنهج"، متساءلةً بانفعال: "هل مخصصاتنا هي القشة التي قصمت ميزانية السلطة؟".
تعيش الهور وآلاف الأسر في قطاع غزة أوضاعًا مأساوية في ظل استمرار سياسة الحصار، والاعتداءات المتكررة من قبل الاحتلال الإسرائيلي، التي أدت إلى تفاقم معدلات الفقر والبطالة، التي بلغت في الربع الثالث من العام 2021م في قطاع غزة (50.2%) حسب بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.
وتُعاني الهور من تراكم الديون منذ العام الماضي، ما دعا أصحاب محلات البقالة المجاورة يرفضون إعطاءها أي احتياجات مجددًا لعدم قدرتها على السداد. تشير السيدة إلى أن قيمة الديون المتراكمة عليها، فاقت 4 آلاف شيكل موزعة بين السوبرماركت والصيدلية، "والآن أقف عاجزة، لا أملك شيئًا إلا المشاركة في الاحتجاجات علّها تأتي بنتيجة".
"أين ذهبت أموالنا؟"
حال الهور لا يختلف كثيرًا عن حال لينا البنا التي تُعاني من مرض السكري، وتُعيل 3 أطفال، بينما يمكث زوجها في السجن على خلفية ذمة مالية، إذ لم يتمكن من دفع إيجار المنزل الذي يقطنوه لأكثر من خمسة أشهر، ما دعا صاحب العقار إلى رفع قضية ضده كانت نتيجتها السجن.
السيدة البنا: صاحب المنزل هددني بالطرد، ولا يُوجد لدي مصدر دخل سوى الشؤون الاجتماعية
تقول البنا بينما تخونها عَبرات العجز والحرمان: "صاحب المنزل هددني بالطرد، ولا يُوجد لدي مصدر دخل سوى الشؤون الاجتماعية (..) الكل يشاهد معاناتنا دون أن يُحرك ساكنًا"، متابعةً: "السلطة تتذرع بالاتحاد الأوروبي، والأخير يتذرع بعدم إقرار الميزانية الخاصة بدعم الفلسطينيين، بينما نحن نُطحن ونترك في مواجهة مصير مجهول".
وبحسب استطلاع للرأي العام تم تنفيذه من قبل مركز "أطلس" لدراسات الرأي العام في غزة نهاية كانون الأول/ ديسمبر الماضي، فإن ما نسبته 45.8% من العينة البحثية، أكدوا أن عدم صرف السلطة الفلسطينية لمخصصات الشئون الاجتماعية للأسر الفقيرة والمعوزة "إجراء عقابي"، بينما قال 12%: إن السلطة تُعاني من أزمة مالية حقيقية، فيما كانت نسبة 17.4% من المستطلعة آراءهم، يرون أن تأخر الصرف "سوء إدارة من السلطة لهذا الملف"، في الوقت الذي عدّ فيه 19.8% منهم أن سبب التأخر وعدم الصرف، يأتي ضمن سياسة وقف التمويل من قبل الاتحاد الأوروبي.
"سياسة ظالمة"
من جانبه، تحدث صبحي المغربي الناطق الإعلامي باسم الهيئة العليا للدفاع عن الفقراء ومنتفعي الشؤون الاجتماعية، عن "سياسة ظالمة لإنهاك الفقراء وتحويل حياتهم إلى مأساة فعلية"، قائلًا: "إن 116 ألف أسرة في قطاع غزة، والضفة الغربية، لم تتلقَّ مخصصات الشؤون الاجتماعية منذ العام الماضي إلا مرةً واحدة، وكانت خلال مايو/ أيار 2021م".
تصرف المخصّصات مرة كل ثلاثة أشهر بمعدل أربع مرات خلال العام، وتتراوح القيمة النقدية للشيك التي تنتفع به العائلة بين 750 شيكل و1800 شيكل
وتُصرف المخصّصات مرة كل ثلاثة أشهر بمعدل أربع مرات خلال العام، وتتراوح القيمة النقدية للشيك التي تنتفع به العائلة بين 750 شيكل و1800 شيكل، وفقًا لمحددات تتعلق بالوضع الصحي، وحالة الفقر، والحالة الاجتماعية للأفراد المضافين لصاحب الانتفاع بالمخصصات.
وعلى حد تعبير المغربي، فإنه منذ العام 2017م، "استحوذت السلطة الفلسطينية على 6 مخصصات، حيث لم يُصرف في العام 2018م سوى دفعتين من أصل أربعة"، وكذلك في العامين التاليين 2019، 2020، "بينما صُرفت دفعة واحدة في العام 2021م بقيمة موحدة بلغت 750 شيكلًا لكل الأسر، ما يعني ضياع 3 مخصصات أخرى".
وأشار إلى أن وزارة التنمية حينها، برّرت تناقص الدفعات بعدم وفاء الاتحاد الأوروبي بمساهمته المالية المخصصة لبرنامج الدفع النقدي لوزارة التنمية الاجتماعية.
وقال: "إن قيمة ما تم الاستحواذ عليه في العام 2021م، والمقدرة بثلاث مخصصات، تتراوح بين 750 و1800 شيكلًا، بلغت 548 مليون شيكل، والأموال في الأعوام السابقة تزداد إلى الضعف".
وشدد المغربي على أن مخصصات الضمان الاجتماعي للأسر الفقيرة واجب شرعي، وحقوقي، كفلته الأنظمة الدولية وحقوق الانسان، "وهي ليست منحة ولا مكرمة من أحد"، مشيرًا إلى أن الفئات المستحقة هم من كبار السن، والمرضى، والأرامل، وذوي الإعاقة.
حق كفله القانون
وينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المادة (22) على أن "لكل شخص، بوصفه عضوًا في المجتمع، حق في الضمان الاجتماعي، ومن حقه أن توفر له من خلال المجهود القومي والتعاون الدولي، وبما يتفق مع هيكل كل دولة ومواردها، الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي لا غنى عنها لكرامته ولتنامي شخصيته في حرية".
عبد العاطي: في الوقت الذي تخصم فيه السلطة جزءً من رواتب موظفيها بسبب الأزمة المالية، تقدم ترقيات ومكافآت على خلاف القانون
ويقول صلاح عبد العاطي رئيس الهيئة الدولية للمطالبة بحقوق الشعب الفلسطيني "حشد": "إن الضمان الاجتماعي حق مكفول قانونًا لكل من أنهكته الحياة في المجتمع الفلسطيني، لا سيما في ظل ما يُعانيه من حصار مستمر للعام السادس عشر على التوالي".
ويُطالب وزارة التنمية الاجتماعية بشقيها غزة ورام الله، بضرورة الإسراع في حل مشكلة وقف صرف شيكات الشوون الاجتماعية، وتقديمها بأثر رجعي للمواطنين باعتبارهم الشريحة الأضعف والأكثر هشاشة، منتقدًا سياسة السلطة الفلسطينية في التعامل مع أولويات واحتياجات الشعب الفلسطيني.
ويعقب: "في الوقت الذي تخصم فيه السلطة جزءً من رواتب موظفيها بسبب الأزمة المالية، فإنها في المقابل تقوم بحملة ترقيات لعدد كبير من المسؤولين، وتقديم مكافآت على خلاف القانون، وعلى خلاف سياسة الحكومة".
"التنمية الاجتماعية": الوزارة لا تملك أي وعود لصرف المخصصات، والأمر مرهون بتوفير التمويل الأوروبي
وحتى الآن، لم يُعلن عن صرف مخصصات الشؤون الاجتماعية لنحو 116 ألف أسرة في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتعزو وزارة التنمية التأخير إلى عدم توفر الدعم الأوروبي اللازم.
ووفقًا لتصريحٍ سابق أدلى به وزير التنمية الاجتماعية أحمد مجدلاني، فإن "الوزارة لا تملك أي وعود لصرف مخصصات الشؤون الاجتماعية للأسر الفقيرة، فعملية الصرف مرهونة بتوفير التمويل الأوروبي"، منوهًا إلى أنهم يبذلون جهدًا من أجل صرفها لمستحقيها في الضفة الغربية وقطاع غزة، قبل حلول شهر رمضان.
"الميزانية لم تُقر"
بدوره، أكد شادي عثمان المتحدث باسم الاتحاد الأوروبي في الأراضي الفلسطينية، أن أية مساعدات، أو تجديد للدعم والتمويل من قبل الاتحاد الأوروبي، مرهون بإقرار الميزانية المتعلقة بالمساعدات الأوروبية للأعوام 2021م-2024م.
شادي عثمان: نتوقع إقرار الميزانية خلال الأسابيع المقبلة
وأضاف في تصريح مقتضب لـ "نوى" قوله: "حتى الآن لم تُقر الأموال التي سيتم منحها للسلطة الفلسطينية، التي تدخل في ميزانية صرف مستحقات الضمان الاجتماعي"، موضحًا أن مؤسسات الاتحاد الأوروبي ما زالت حتى لحظة إعداد هذا التقرير، في مرحلة مناقشة الميزانية.
وتوقع عثمان إقرارها (الميزانية) في غضون الأسابيع القادمة، مشددًا أنه وبمجرد حدوث ذلك، سيتم الإعلان عن قيمة الدعم الموجه لمخصصات الضمان الاجتماعي، "كما سيتم الإعلان عن تفاصيل الدعم الأوروبي للسلطة الفلسطينية".
ولم يُحدد عثمان أي تفاصيل حول قيمة التمويل المتوقع، "لكن من الممكن أن تزيد عدد الدفعات المخصصة للمستفيدين من برنامج الدفع النقدي لوزارة التنمية الاجتماعية عن سابقاتها".
ويذكر أن الاتحاد الأوروبي يقدم في كل عام ما قيمته 300 مليون يورو، كدعم لفلسطين، في مختلف المجالات الإنسانية والتنموية.
