"الزنانة".. صوت "الموت" يدوّي في سماء غزة
تاريخ النشر : 2021-11-16 17:57

قطاع غزة | نوى:

أطل برأسه من نافذة بيته في الطابق الثالث، يراقب السماء. في الحقيقة، لم يترك أحمد شتيمةً في قواميس ما يقوله العوام في قطاع غزة، وما لا يقولونه إلا وأطلقها باتجاه طائرة الاستطلاع الإسرائيلية التي لم تغادر سماء القطاع منذ عدة أيام.

نظر الشاب العشريني نحو الأسفل، فإذا بأصدقائه من أبناء الجيران يضحكون، ليباغتهم مشارِكًا: "اللي ماخد منها حاجة يرجعها يا جماعة، ناقص تقعد معنا في البيت.. هادي أكبر صداع في العالم".

طائرات الاستطلاع، أو "الزنانات" تبعًا للتسمية العامية هنا، تحرث سماء القطاع جيئةً وذهابًا فلا تفعل شيئًا سوى أنها تُنذر بالخراب في القلوب المُلتاعة "فقرًا، وفقدًا، ومرضًا، وبطالة"، وتُمعن في شَغل رؤوس المحاصرين هنا، عن أي شيءٍ سوى الحرب والموت.

لكن، لماذا أسموها "زنانة"؟ تقول أميرة عبده (25 عامًا): "منذ كنت طفلة عرفتها باسم الزنانة، ربما لأنها تزنُّ فوق رؤوس الناس طوال فترة عملها، حيث تشبه الذبابة بصوتها "اللعين" الذي يتسبب بالصداع، وتوتر الأعصاب".

وتضيف: "بل إنني أراها نذير شؤم بعدوان إسرائيلي قادم على هدفٍ ما تقوم الطائرة بتعقبه ورصده، لتضربه كما تفعل دائمًا، فيبدأ بذلك عدوانًا واسعًا جديدًا".

ويستخدم جيش الاحتلال طائرات الاستطلاع بشكل مستمر في العدوان على غزة وحتى في فترات الهدوء، إذ تؤدي هذه الطائرة 3 مهام أساسية هي التصوير والتعقب، والاغتيال والتصفية الجسدية، وتوجيه الطائرات الحاملة للقاذفات.

ولا يرتبط خطر هذه الطائرات فقط بمهامها الأساسية، وإنما بضرب نفسية الفلسطينيين التي تجوب سماءهم بصورة مكثفة، يصفونها بـ "المؤلمة والقاسية" تحديدًا عندما يصِلون إلى مرحلة يكرهون فيها السماء أو النظر إليها – تمامًا كما يخبرنا أنس سمعان.

ويتابع: "ربما يشغلني عنها النهار بحركة الناس والأصوات، لكن بمجرد حلول الليل وهدوئه، تبدأ مساحة الإزعاج بالاتساع.. هذا رعبٌ كبيرٌ بالنسبة لي".

يشير أنس إلى أن كل ضوضاء العالم أهون عليه من ليلٍ تشوبه أصوات الطائرات وتحديدًا "الزنانة"، التي تضرب أذنيه وقلبه خوفًا من نهاية عملها في السماء، أو ربما بدئه حقيقةً بقصف هدف ما.

إسلام عطاالله هي أمٌ لطفلين، تؤكد أنها لا تشعر بالأمان طوال الفترة التي تحلق بها هذه الطائرات في سماء غزة، قائلة: "أنا وأولادي مرعوبين، نشعر أننا لسنا في أمان. أطفالي يسألونني باستمرار: لماذا هذا الصوت المزعج؟ ماذا سيحدث؟ هل ستقصف؟".

وعند منتصف الليل، يستيقظ طفلها مصطفى ليخبرها أنه يحلم أحلامًا مخيفة، ويتساءل: "هو في حرب يا ماما؟".

بماذا يشعركِ صوتها؟ ترد إسلام: "ينذرني باقتراب عدوانٍ جديد، ولا أعتقد أنني أبالغ إذا قلت إنني بدأتُ أتوجّس بالفعل، وبدأتُ بأخذ الاحتياطات، فلا أذهب إلى أماكن بعيدة عن المنزل، كي أعود بسرعة حال حدوث أي طارئ".

ليس هذا وحسب، بل إنها لا تسمح لأطفالها باللعب خارج المنزل، كما تقوم بتدبير أمورها من المستلزمات الأساسية التي يمكن أن تحتاجها حال وقع عدوان إسرائيلي جديد على قطاع غزة.

وتزيد: "من الممكن أن ينزح بعض الأقارب عندنا لظنهم أن منزلنا ربما يكون أكثر أمانًا، في نفس الوقت، أجهّز نفسي لإمكانية أن أنزح أنا وأسرتي، فقمت بتحضير "شنطة الحرب" هذه التي تضم كل أوراقنا الثبوتية وبعض المال المُدّخر".

أبناء غزة وبناتها –وهذه حقيقة- لا يعرفون من الطائرات إلا العسكرية! تلك التي يمكن أن تباغتهم في أي آن، فتدبُّ الرعب في قلوبهم. تُعكّر صفوهم في جلسةٍ عائلية، أو تفرّق أصدقاء اجتمعوا على شاطئ بحرٍ ملوّث بنار وبارود الاحتلال، فتمحو الفرح وترسم بصواريخها المُرسلة لوحةً من دم.