غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
نظرة واحدة على أرفف المحلات التجارية بغزة، كافية تُخبرك بأن أي محاولات إنعاش الاقتصاد الغزّي، ودعم المنتج المحلي ستبو بالفشل. كيف لا؟ وأنت أينما وليت وجهك تجد بضائع مستوردة في مجملها سلع استهلاكية، تتنوع ما بين أغذية، وألبسة، وأجهزة كهربائية حديثة أو مستعملة، وغير ذلك أيضًا.
وتبعًا لمراقبين اقتصاديين، وأصحاب مصانع بغزة، فإن سياسة إغراق السوق المحلي بالبضائع والسلع المستوردة، في ظل وجود منتجات محلية مماثلة، تتحقق فيها شروط الوفرة والجودة وتنافسية السعر، من شأنها أن تؤثر سلبًا على العملية الاقتصادية برمتها.
المراقبون، وأصحاب المصانع، أكدوا في أحاديث منفصلة لشبكة "نوى"، أن سياسات الحكومة الفلسطينية ضعيفة وغير رادعة للمستوردين وهو ما يُعزز انهيار الاقتصاد ويُسهم في رفع معدلات البطالة بين الفلسطينيين نتيجة إغلاق العديد من منافذ الإنتاج.
وشددوا على أن محاولات الدعم للمنتج المحلي، في ظل الانهيار الاقتصادي الحاد نتيجة سياسات الاحتلال الإسرائيلي، والسماح للمستوردين بضخ البضائع إلى السوق المحلية بأسعار أقل من أسعار المنتج المحلي، باتت أسبابًا دافعة نحو التوقف.
صاحب محل ملابس: إنتاج الملابس يعاني بسبب عشوائية الاستيراد التي ينتهجها التجار
يقول أبو نعيم المدهون، وهو صاحب مصنع للملابس المتخصصة في الزي الشرعي: "إن قطاع إنتاج الملابس يُعاني كثيرًا بسبب عشوائية الاستيراد التي يتبعها التجار مما يُفشل أي محاولة لدعم وانعاش الصناعات الوطنية".
ويضيف: "سياسة الاحتلال بحرمان القطاع من بعض المواد الخام في ظل الحصار، بالإضافة إلى قيود التصدير لأسواق الضفة والأسواق الخارجية، تؤثر بشكل سلبي على عمل مصانع الملابس التي عليها مواكبة التطور وكل ما هو جديد".
ويُشير الرجل إلى أن بعض المنتجات المحلية في قطاع الملابس، خاصة الزي الشرعي، والجينز، تُضاهي في جودتها المستورد، "لكن بعض تجار الجملة من المستوردين، يسعون دائمًا إلى ترسيخ ثقافة المستورد لدى المواطن" يستدرك.
ويؤكد أن هذا يُفاقم من خسائرهم المادية، خاصةً في ظل صعوبة عملية الإنتاج وتكلفتها المرتفعة، مطالبًا وزارة الاقتصاد بوضع ضوابط رادعة لعملية الاستيراد، بما يُحقق إنعاشًا للمنتج الوطنيـ ويسهم في تحسين أوضاع المصانع المنتِجة.
عروض على المستورد
ولا يختلف عنه وائل الوادية من شركة سرايو الوادية لصناعة البسكويت والشوكولاتة، إذ يشكو الرجل من غزو منتجات البسكويت والشكولاتة المستوردة الأسواق على حساب المنتج الوطني.
الوادية: أسواق غزة ملغمة بأنواع لا حصر لها من الحلويات والمسليات التي تُعرض وفق تخفيضات كبيرة.
يقول لـ "نوى": "إن أسواق قطاع غزة ملغّمة بأنواع لا حصر لها من البسكويت والقسماط والحلويات والمسليات التي تُعرض وفق تخفيضات كبيرة، مما يُؤثر سلبًا على إقبال المواطن لشراء المنتج المحلي الذي لا يُعد منافسًا من وجهة نظره، كون سعره يوازي سعر المستورد، وربما أعلى منه بقليل نظرًا لتكلفة الإنتاج".
ويُطالب "الوادية" الجهات المعنية بضرورة حماية المنتج الوطني فعليًا، ملفتًا إلى أن أثر عمليات الحماية سيكون إيجابيًا بزيادة الطاقة الإنتاجية للمصانع المحلية، وتشغيل عددٍ أكبر من العمال، وبالتالي التخفيف من أزمة البطالة المستعرة بين الفلسطينيين في قطاع غزة.
ويُشاركه الرأي نهاد السوافيري، وهو صاحب مصنعٍ للموبيليا والمفروشات، إذ يُشير إلى أن عددًا من المصانع اضطرت لإغلاق أبوابها في وجه عمالها نتيجة عدم قدرتها على الاستمرار في الإنتاج بسبب إجراءات الاحتلال وغياب الدعم الحكومي والشعبي للمنتجات المحلية.
السوافيري: اضطررت لتسريح أكثر من 35 عاملًا عندي نتيجة تدمير مصنعي في العدوان الأخير.
ويوضح أنه اضطر مؤخرًا لتسريح أكثر من 35 عاملًا لديه نتيجة تدمير الاحتلال لمصنعه في المنطقة الصناعية خلال العدوان الأخير، داعيًا أصحاب المصانع إلى تشجيع المستهلكين الفلسطينيين على شراء مختلف السلع محلية الصنع، كالمواد الغذائية، والمنسوجات، والأثاث، والمنتجات الجلدية، بما يقضي بزيادة المبيعات منها، ويسهم في رفع القدرة التشغيلية، وأعداد العاملين في المصانع.
تفضيل المستورد
بنظرةٍ متمعّنة، يمكن أن ندرك أن المواطن الفلسطيني يسهم بدوره في إعطاء التجار والمستوردين الفلسطينيين، الفرصة لإغراق الأسواق بالمنتجات المستوردة، حيث يُفضلون المنتج المستورد على المحلي غالبًا، ويعزون ذلك إلى جودة المستورد، ومنافسة سعره لسعر المنتج المحلي خاصةً فيما يتعلق بالملابس والصناعات الجلدية.
تشير "شهد الفرا" -طالبة جامعية- إلى أنها تُفضل شراء الألبسة المستوردة، لا سيما في ظل وجود محال متخصصة ببيع الماركات العالمية منها، "وهذا يُحقق لي متعة اقتناء الماركة العالمية بسعر أقل من المنتج المحلي" تقول.
وترى الفرا أن بعض المنتجات المحلية غير مطابقة للمواصفات، وجودتها رديئة، مضيفةً: "ما يُعزز قناعتي بالمستورد، لا سيما في مجال الصناعات الغذائية، هي عمليات الضبط التي تقوم بها الجهات الرسمية في غزة لأصحاب المصانع الذين يُسيئون عملية الإنتاج، ويتم الإعلان عنها بالمعلومات الدقيقة والصورة".
شاب: بعض منتجات الجينز المحلية ممتازة، لكن أسعارها مرتفعة للغاية مقارنةً بالمستورد.
ولا يختلف عنها الشاب "على نبيل" 25 عامًا، من مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، فقد كان يرتدي حذاءً من ماركة all star، وبلوزة من ماركة fox، يقول: "إن جودة الملابس المستوردة أعلى من المنتجة محليًا"، متسدركًا بسرعة: "هذا لا ينفي أن بعض منتجات الجينز محلية الصنع ممتازة، إلا أن أسعارها مرتفعة للغاية، مقارنةً بالوضع الاقتصادي وحالة البطالة الموجودة، ناهيك عن أن الموظفين لا يتقاضون رواتب كاملة، وهذا يسحبنا باتجاه شراء المستورد بجودته العالية وسعره المناسب".
من جانبها، توضح "سوسن أحمد" 42 عامًا أن الأوضاع الاقتصادية الصعبة في القطاع، جعلت رب الأسرة يتجه لشراء الملابس الأرخص سعرًا بعيدًا عن النظر لجودة إنتاجها.
أثر سلبي
وفيما يتعلق بالأثر الذي يتسبب به إغراق الأسواق المحلية بالبضائع المستوردة على الاقتصاد، يقول الصحفي المختص في الشأن الاقتصادي محمد أبو جيّاب: "إنه يُنهي أي فرصة لإعادة إنعاش المصانع، ويقضي بتسريح آلاف العمال، كما أنه يدفع إلى هروب أصحاب رأس المال إلى الخارج".
وأضاف لـ "نوى": "السبيل الأمثل لدعم قطاع الصناعات الإنتاجية في غزة، يكمن في تغيير سياسة وزارة الاقتصاد تجاه الاستيراد، منتقدًا نظام التعلية الجمركية والضريبية "كونها غير مُجدية في ظل الأسعار الزهيدة التي يتم بها استيراد البضائع، لا سيما البسكويت والمسليات الغذائية".
أبو جياب: نطالب وزارتي الاقتصاد الوطني والمالية بتخفيض الضرائب وتسهيل التراخيص لحماية المنتج المحلي.
وبيّن أبو جيّاب أن غزة تضم عددًا من المصانع التي تُنتِج البسكويت والمسليات والشيبس بأعلى جودة، وهي حاصلة على شهادة الأيزو، مطالبًا وزارتي الاقتصاد الوطني، والمالية، بحمايةٍ أكثر نجاعة للمنتج الوطني، وتقديم التسهيلات المتعلقة بخفض الضرائب وتسهيل التراخيص، وغيرها من الإجراءات، بما يُحقق استيعاب عمالةٍ أكبر، وتخفيض نسب البطالة بين الشباب الغزي التي فاقت الـ 50% في السنوات الأخيرة.
توعية المواطن
من جانبه شدد محمد المنسي الناطق باسم الاتحاد العام للصناعات الفلسطينية بغزة، على ضرورة العمل على توعية المواطن بأهمية المنتج المحلي، وأن دعمه بالشراء أفضل السبل لاستمراره أمام حالة الإغراق العشوائي للمنتجات المستوردة في السوق الفلسطينية.
وأكد على ضرورة ضبط الجهات المسؤولة في الحكومة للمستوردين، ووضع سياسة فعالة لحماية المنتج المحلي، والعمل المشترك بينها لإيجاد خطة استراتيجية تبدأ بالتوعية، وتنتهي باستخدام كافة الوسائل المتاحة لحماية المنتج المحلي، موضحًا أن ذلك يُعزز صمود الاقتصاد الوطني ويدعم تنمية موارده المحلية.
المنسي: الاتحاد يجتهد لدعم الصناعات الوطنية وحمايتها من المنافسة غير المتكافئة عبر تطويرها وتحديث أنظمتها.
في السياق ذاته، أشار المنسي إلى أن الاتحاد العام للصناعات الفلسطينية، يجتهد في تحقيق عملية الدعم التام للصناعات الوطنية الفلسطينية، وحمايتها من الإغراق والمنافسة غير المتكافئة، "ذلك عبر العمل على تطوير تلك الصناعات، وتوجيه الاستثمارات المحلية والأجنبية، وإدخال الأنظمة الصناعية الحديثة".
وأكد أن سياسات الاحتلال الإسرائيلي هي التي تقف عقبةً أمام هذا الإجراء، غير أن الاتحاد يحاول تنظيم النشاط الصناعي وفقًا لنوع الإنتاج، من خلال الاتحادات التخصصية، وتقديم الدعم اللازم لها، قائلًا: "دائمًا ما يسعون إلى العمل على رفع القدرة التنافسية للمنتجات الصناعية الوطنية، بما يُحقق تفوقها على المستورد، وتثبيتها في السوق المحلي، وكذلك الخارجي بالتصدير كلما أمكن، وفق سياسة الاحتلال التعسفية".
وزارة الاقتصاد ترد
وحول دور وزارة الاقتصاد الوطني في قطاع غزة لحماية المنتج المحلي، ودعم قطاع الصناعات الإنتاجية، تحدثت "نوى" إلى عبد الفتاح موسى المتحدث باسم الوزارة في غزة، الذي شدّد على أن وزارته تسمح بالاستيراد من الخارج للسلع والبضائع التي لا تفي باحتياجات المواطنين في قطاع غزة.
وأوضح أن الوزارة تدعم المنتج الوطني بإفساح حصة له في السوق المحلي، ضمن شروط وفرة الخامة الأساسية للإنتاج، والجودة، بالإضافة إلى السعر المنافس، الذي يتناسب مع القدرة الشرائية للمواطنين، الذين يُعانون من سوء أحوالهم الاقتصادية نتيجة الحصار والعدوان المتكرر على القطاع، وقد فقد الكثير منهم أعمالهم.
موسى: رفع رسوم التعلية الحمركية والضرائب على المستورد من أهم سبل حماية المنتج المحلي
ويُبين "موسى" أن أحد أهم سبل حماية المنتج المحلي أمام حالة الاستيراد الكبيرة من قبل التجار، هي رفع رسوم التعلية الجمركية والضرائب على السلع المستوردة لصالح السلع المنتجة وطنيًا، كالشيبس والبسكويت وغيرها من المواد الغذائية المنتجة محليًا، ملفتًا إلى أهم طرق دعم وحماية المنتج الوطني، وعلى رأسها إقامة المعارض، فضلًا عن تفعيل نظام الكوتا في الاستيراد، وتفعيل هيئة المواصفات والمقاييس، والعمل على إقرار حالة المنع المطلق لبعض البضائع التي يُحقق فيها المنتج المحلي حالة من الاكتفاء كاللبن الرايب سعة واحد ليتر "إذ يُمنع استيراده لإعطاء حصة للمنتج الفلسطيني في الأسواق المحلية" يعلق.
وبحسب "أبو موسى" فإن الوزارة تمنح قطاع الصناعات الإنتاجية عددًا من التسهيلات، كالإعفاء من الترخيص، وتخفيض الضرائب والرسوم، وتخفيض فواتير الكهرباء، كما تتابع عملية تطوير عمل المصانع بما يتوافق مع المواصفات العالمية.
ويبقى القول: إن المسبب الأكبر في حالة إغراق السوق الفلسطينية بالبضائع المستوردة على اختلافها هو ممارسات المستوردين الفلسطينيين، بالإضافة إلى سياسات الاحتلال الإسرائيلي في تضييق الخناق على الاقتصاد الفلسطيني، وهدم منشآته الإنتاجية، فقد عانى القطاع الصناعي في غزة من أزمات متتالية، ضاعفت خسائره المادية، سواءً بتدمير منشآته في كل عدوان، أو بمنع إدخال المعدات الصناعية الثقيلة له، ناهيك عن إخراجه في كل عدوان من حسابات الإعمار، الأمر الذي يجعله على حافة الانهيار حيث لم يتم تعويض إلا 30% من أصحاب المصانع التي دُمّرت خلال عدوان 2014م، بينما لم يتم تعويض أحد من أصحاب المصانع التي طالتها نيران العدوان الإسرائيلي الأخير منتصف أيار/ مايو المنصرم.
