غزة:
مع بزوغ فجر كل يوم، تبدأ المواطنة رنا أبو ندى تجهيز أبنائها للذهاب إلى المدرسة، وترتيب البيت، وكل هذا "على العتمة".
رنا وهي من سكّان مدينة "حمد" السكنية في خان يونس جنوب قطاع غزة، هي واحدةٌ من عشرات آلاف النساء، اللواتي يشتكين صعوبة تجاوز تفاصيل الحياة اليومية، نتيجة الأزمات المعقّدة، التي تقف على رأس قائمتها الكهرباء.
"الكهرباء، والمياه المالحة، والفقر، والبطالة، والعدوان الإسرائيلي، و..، و.." تعدد السيدة أصناف العذاب التي تؤرق حياة أكثر من مليوني إنسان في قطاع غزة، ثم تتساءل باستنكار: "مَن قال أننا تعوّدنا؟!".
هذه فكرة خاطئة –حسب رنا- "فنحن مفروض علينا العيش في كل هذه الظروف، لا نعيشها بإرادتنا، نحن لم نتعوّد على أي شيء، بل نُجبر على إيجاد حلول كي نستطيع التكيّف".
ما يزيد الطين بلّة (والحديث لها) أزمة المياه المالحة، تقول: "تعوّدنا على شراء مياه الشرب وهذا مرهق، فأحيانا تنفذ من خزاناتنا ليلًا، أما المياه التي تصلنا من البلدية فتصلح للاستخدام المنزلي فقط، ولكن ليست أبدًا خيارًا جيدًا للاستهلاك الآدمي".
وتضيف بانفعال: "تنقطع المياه بشكل متكرر، عائلتي صغيرة، ولا أشعر بمعاناةٍ كبيرة لأن حجم استهلاكنا بسيط وربما تعوّدت، لكن في العائلات الممتدة مثل بيت أهلي تظهر المشكلة بشكل كبير".
وتعتب رنا على وسائل الإعلام التي لم تعد تطرح هذه المشاكل اليومية بشكل كبير، وتتعامل معها على أنها ظروف "تأقلم الناس على العيش بها"، و"هذا غير صحيح" تعقب.
إلى مدينة غزة، حيث تشارك المواطنة سها كلّوب سابقتها بذات الشكوى، وتزيد: "مشكلة الكهرباء أعقد بالنسبة لمن يسكنون الطوابق العليا، وتزداد قسوة في الشتاء، ومشكلة المياه أصعب بالنسبة لمن تنقطع عندهم أيامًا".
سها التي تسكن حي الشيخ رضوان، -وهو من أكثر المناطق اكتظاظًا بالسكان- في قطاع غزة، تجزم أن انقطاع الكهرباء هو المتحكم الأول في نهارهم، فتقول: "نمضي نصف النهار في أعمال المنزل على العتمة، ونكمل العمل بمجرد مجيء الكهرباء، أما حين تكون ساعات الوصل بعد العاشرة ليلًا، فهذا يعني أن عشرات الأجهزة الكهربائية ستعمل في هذا الوقت لأن النساء أجلّن عملهن حتى المساء".
ويؤثر هذا الواقع على الأطفال كما ترى سها، فأطفالها الثلاثة الذين لا تجد أفضل من التلفزيون وسيلةً لتمضية أوقات فراغهم يشعرون بالانزعاج من انقطاع الكهرباء، وفي الأصل فإن وعي الصغار على هذه المشاكل أمرٌ "غير طبيعي"، "فماذا ذنبهم ليعيشوا هذا الواقع؟" تتساءل.
وتكمل: "ما زاد الوضع صعوبة هو جائحة كورونا وذهاب طفلي محمد يوميًا إلى المدرسة، بينما أنا أخشى عليه من التعرّض للإصابة نتيجة الاختلاط، ومهما نبّهته فهو طفل لا أثق أنه سينتبه"، مردفةً: "قطاعُ غزة منطقة فقيرة ومحاصرة، وليس لديها القدرة على التعامل مع تبعات الجائحة، ونحن كمواطنين ندفع الثمن، والأمر يمرّ كأنه عادي".
ومثل سابقتها تجزم سها أن وسائل الإعلام لم تعد تهتم كثيرًا بالقضايا اليومية، تعقّب على ذلك بالقول: "مثلًا شقيقي هو أحد ضحايا البطالة منذ سنوات، اضطر أخيرًا للهجرة بطريقة كسرت قلب أمّي التي لا تريد له هذا السفر، فلماذا لا يتكلمون عن ظاهرة البطالة؟ لقد أصبحت كأنها شيء عادي، لماذا لا يتحدث أحد عن تدّني الرواتب وأجور العاملين؟".
أسئلة مشروعة طرحتها سها كما غيرها من النساء اللواتي بات المرور على أزماتهن اليومية أمرًا يورثّهن شعورًا بعدم الاهتمام بما يعانينه.
تقول الباحثة والصحفية هبة كريزم: "إن الأزمات اليومية التي تعانيها النساء الفلسطينيات في قطاع غزة تفاقمت، وتزايدت معها المسؤوليات الملقاة على عواتقهن، سواءً بسبب جائحة كورونا أو بسبب الاعتداءات الإسرائيلية، أو التفاصيل التي تسبب بها الحصار الإسرائيلي منذ 15 عامًا".
كل هذه الأزمات –وفقًا لهبة- هي ذات ارتباطٍ مباشرٍ بحياة النساء اللاتي يزيد ضدهن العنف الأسري، ويدفعن ثمن الفقر والبطالة وانعدام فرص العمل، سواءً من خلال قلة فرص العمل المتوفرة لهن، أو نتيجةً للأعباء التي باتت تفرض عليهن تأمين متطلبات الحياة اليومية من ماء وغذاء وملابس، في ظل حالة فقر شديدة، وشحٍّ في الإمكانيات.
ومع ذلك فلم تعد هذه الأزمات تحظى بالاهتمام المطلوب، لا من قبل المسؤولين، ولا من قبل الإعلام -حسب هبة- إذ تحوّلت لأخبارٍ عادية، لا يعيرها أحد الاهتمام المطلوب، "ذلك لأن الجميع اعتادها وأصبحت مستهلكة".
وبالرغم من أن المجتمع بأكمله يعاني المشكلات المذكورة (والحديث لهبة)، إلا أن تكرارها تسبب في تراجع معالجتها، "فلم تعد الحالة فريدة، ولم تعد تلك الأزمات تقدم محتوىً جديدًا للإعلام".
تطالب كريزم بضرورة إرجاع هذه القضايا إلى الواجهة، فتأثيرها على الناس كبير، "بل ويتوجب تناولها بواسطة كافة الفنون الصحفية الجديدة، لعلها تصل بالرسالة وتذكر المسؤولين بضرورة إيجاد حلول تخفف العبء اليومي على المواطنين، تحديدًا النساء منهم" تختم.
