شبكة نوى | قطاع غزة:
"هي خبيئة حقائب الحرب، ورقة قد تنفع صاحبها يومًا –بالصدفة- في تزكيةٍ ما، ولعلها تكون مدخلًا إلى الجنة في علمٍ اكتُسب.. لكنني متأكدة أنها ليست طريقًا للوظيفة أبدًا"، تقول آلاء جهاد في وصف الشهادة الجامعية.
تبلغ آلاء من العمر (26 عامًا)، وقد درست بكالوريوس الرياضيات في جامعة الأقصى وتخرّجت قبل نحو 4 سنوات.
عند دخولها الجامعة، كانت مقتنعةً بأن تخصصها مطلوب في سوق العمل، وأنها بالتأكيد سوف تنال وظيفة "مدرسة" فور تخرجها، أو لعلها كانت تحلم بذلك –تعلق– وتضيف "الواقع واضح أمامنا، لا مجال للعمل هنا". فكل محاولات البحث على مدار 4 سنوات باءت بالفشل إلا من هذه الفرصة..
لم تجد آلاء مكانًا يحتضن قدراتها غير رياض الأطفال، لكنها تصف الوضع به "المأساوي"، كونها تعمل ما لا يقل عن ثماني ساعات يوميًا براتب لا يتجاوز الـ 400 شيكل / 120 دولارًا تقريبًا.
تتابع: "تعزّ علي سنوات دراستي، أنا أشعر بالإهانة يوم أطلبُ زيادةً في راتبي وفق قدراتي، ويوم أتردد على عشرات المراكز التعليمية التي تبخّس الرواتب مقابل دروسٍ خصوصية للطلاب".
حصار غزة وظروفها الإنسانية، شكلا بيئة خصبة لقتل فرص العمل ومحاولات العيش. الانقسامُ أيضًا أرهق أرواح مليوني إنسان يعيشون هنا.
"باتت الفرص الحكومية محدودة، أو بالأحرى فرص الحكومتين "الشرعية، وغير الشرعية" كلٌ يسمي حكومته حسب قناعته"، تصمت قليلًا ثم تكمل بسخرية: "لو كنت بنت تنظيم، يمكن كان مشيت أموري!".
بحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فإن معدل البطالة بين الأفراد (20-29 سنة) من الحاصلين/ لات على شهادة الدبلوم المتوسط، أو البكالوريوس مرتفع، إذ بلغ 54% في العام 2020، بواقع 35% في الضفة الغربية، و78% في قطاع غزة. في حين كان هذا المعدل حوالي 53% في العام 2019م، على المستوى الوطني.
وسجّل المركز أعلى معدل للبطالة بين الأفراد (20-29 سنة)، الحاصلين على شهادة الدبلوم المتوسط أو البكالوريوس في العام 2020 في قطاع غزة، بتخصص الرياضيات والإحصاء بنسبة 100%، يليه تخصص العلوم الاجتماعية والسلوكية بنسبة 95%.
أنور فرحات، شاب آخر يبلغ من العمر 30 عامًا، يعمل نادلًا في أحد المقاهي. يقول: "درستُ الهندسة المدنية، وعملتُ في شركة لا تدفع رواتب منتظمة، بل تعتمد نظام السُلف التي تبلغ قيمتها 300 شيكل شهريًا، بقيتُ معهم فترة على أمل أن يتحسن الدخل، وترتفع قيمة الراتب، لكنني قررت نهايةً البحث عن فرصة أخرى بعد عامين، وهأنذا كما ترين".
يضيف: "كنا ننتظر يوم التخرج بشغف وفرحنا بشهاداتنا، لكننا لم نكن ندرك أنها ستُطوى وتهمل في جوارير النسيان، وينتهي المطاف بنا عمالًا في مطاعم غزة".
ومن المواقف التي تكررت مع أنور، وكانت تزعجه وكأنها تضرب قلبه بسكين، أن بعض أساتذة جامعته صادفوه أكثر من مرة، واستهجنوا عليه هذا العمل، ليس من باب التقليل منه، -كما يؤكد- بل من باب أنه يستحق مكانًا يليق بمجال تخصصه، لا سيما وأنه كان متفوقًا على أبناء دفعته.
ويقدّر الشاب بشكل شخصي، أن ما نسبته 5% فقط من خريجي الجامعات، يحظَون بفرص عمل بمجال تخصصهم، أما الـ 95% فيتوزعون إما على بسطات القهوة، أو عمالًا في محلات تجارية ومطاعم، أو يفكرون بالهجرة بحثًا عن فرصة في الخارج.
ووفق بيان الجهاز المركزي للإحصاء، ففي العام 2020، بلغ أعلى معدل فترة "تعطل" بين الأفراد (20-29 سنة) في فلسطين، من الحاصلين على شهادة الدبلوم المتوسط، أو البكالوريوس في تخصص الدراسات الإنسانية (باستثناء اللغات)، بمعدل 25 شهرًا، وهو أمر وصفه الشاب محمد لبد – بغير الواقعي.
ويضيف محمد الذي درس دبلوم المحاسبة: "الواقع مختلف تمامًا عن كل ما يرد في الإحصاءات الرسمية، حياة الشباب هنا معدومة، فمواليد التسعينات على سبيل المثال، لم يعد أمامهم مجال للتوظيف الحكومي، بل إن الوظائف صارت تُعلن لمواليد الـ 2000".
في الانتخابات، وفي المشاريع، وفي الخطابات السياسية، وكل المناسبات العامة، الأولوية للشباب، لكن الحقيقة أننا وقود الانقسام والحروب والحصار، شباب بالاسم وشُيّاب في تجاربنا بالحياة هنا –يختم-.
