جحيم تمّوز يكوي جلود أطفال غزة
تاريخ النشر : 2021-07-09 18:08
صورة أرشيفية

غزة:

تقضي الشابة ضحى شاهين "30عامًا" ليلها متنقّلة بين أطفالها الثلاثة في محاولة لتغطية بطونهم وهم يتقلّبون على بلاط غرفتهم للحصول على بعض البرودة التي تخفف عنهم وطأة حر تموّز في ظل انقطاع التيار الكهربائي في قطاع غزة.

علامات التعب بدت واضحة على الشابة وهي تتمتم "ملهمش ذنب الأطفال بوضع قطاع غزة، الحرّ أصعب من أن يتحملوه، الحل الوحيد يناموا على البلاط"، وتشير إلى طفلها يزن "7 سنوات" وطفلتها سجى "4 سنوات" وفي حضنها تنام طفلتها جود، مضيفة :"بخاف يناصبوا بالبرد من النوم على البلاط".

ويعاني قطاع غزة الواقع جنوب فلسطين المحتلة من أزمة في ساعات وصل التيار الكهربائي التي لا تتجاوز 8 ساعات يوميًا، بسبب الحصار الإسرائيلي المفروض عليه منذ 14 عامًا، تاركًا 2 مليون إنسان يعيشون على مساحة 365 كم2 في ظروف إنسانية قاسية.

عودة إلى ضحى التي تسكن مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، فهي تضطر إلى فتح شابيك بيتها الصغير في محاولة للحصول على بعض التهوية، وتعقّب بسخرية مريرة :"وكأنني أقول أهلًا بالحشرات، أنا بهذا أفتح المجال أمامها لدخول البيت، لكني لا أملك خيارات".

طفلتها جود تبلغ عامًا ونصف، لا تستطيع تركها تنام على البلاط كما إخوتها، وهي تقضي الليل كله كما تقول :"أحمل صينية بلاستيك وأهوّي الطفلة طوال الليل خاصة بعد توقّف المروحة التي تعمل على البطارية، فهي لا تكمل ثلاث ساعات".

ولا تختلف تجربة الشابة نرمين محمد التي تسكن قرية أم النصر شمال قطاع غزة، فأطفالها الخمسة أيضًا ينام أربعة منهم على البلاط، بينما طفلها الذي لا يتجاوز ثمانية شهور تضطر لاستخدام مروحة يدوية كي يهدأ وينام.

تقول الثلاثينية نرمين المكنّاة أم زياد :"أحاول توعية أطفالي بأن الحر مؤذي عليهم وأقنعهم باللعب في البيت خلال النهار، ولكن بعد العصر لا أستطيع السيطرة فيخرجوا للعب قليلًا، وأوجههم لضرورة شرب الماء بشكل مستمر".

لكن أم زياد تضطر لأن تصطحب أطفالها الخمسة للاستحمام بالماء البارد عدة مرات يوميًا في محاولة لتبريد أجسادهم التي يلهبها حرّ تموّز في ظل عدم وجود تيار كهربائي يمكّنها من تشغيل المروحة طوال الوقت، وهي بذلك مجبرة على انتظار ساعات الوصل، فإن كان حظّها جيدًا يكون الوصل ليلًا كي ينام الصغار، لكن اليوم التالي حتمًا سيكون الجدول عكس اليوم الأول.

تقول :"ينام الصغار على البلاط كما كل أقرانهم، وما باليد حيلة، أشعر أن هذا ظلم لصغارنا، حتى نحن نعاني عندما ننام على البلاط لنأخذ بعض البرودة، وأعيش بشكل دائم قلق تعرضهم للمرض بسبب هذا النوم غير الصحي، أما طفلي الصغير طبعًا لا ينام على البلاط فأنا أستخدم مروحة يدوية غالبية الوقت ليظلّ نائمًا".

إلى حي الشيخ رضوان شمال مدينة غزة، حيث قضت الشابة إيناس عصام ليلة أمس في مستشفى الأطفال إثر ظهور بقع حمراء على جسد طفلتها التي تبلغ عامين بسبب الحر الشديد.

تقول إيناس "22 عامًا" والتي عادت صباحًا إلى شقتها الصغيرة في الحي :"لدي طفلتان، الأولى عامان والثانية 10 شهور، أشعر أنهن ظُلمن عندما عاشوا في مثل هذا الواقع بقطاع غزة، هذه ظروف لا ذنب للصغار بها، نحن الكبار بالكاد نتحمّل، بل نحن مجبرون على التحمّل ولا خيارات أمامنا، لكن أنا حزينة جدًا على طفلتاي".

تقضي إيناس عادة ليلها وهي تمسك بصينية من البلاستيك التي تستخدمها كوسيلة تهوية للطفلات، فإن ابتعدت قليلًا ستعود لتجد طفلتها الأكبر ممددة على البلاط، فهي تتقلّب بشكل تلقائي بسبب الحر.

تضيف إيناس :"هنا نحن النساء نعاني بشدة بسبب الحر، فانقطاع الكهرباء يتسبب لنا طوال العام بأزمة في ترتيب جدولنا وأولويتنا نرتّب كل شيء وفقًا لجدول الكهرباء الذي يتحكّم في تفاصيل حايتنا، لكن في ظل الحر الشديد الأمور تبدو أقسى، نحتاج إلى مراوح تخفف عنا لهيبه طوال الوقت".

وبقهر تعلّق :"هذا ليس ترفًا، ليس ترفًا على الإطلاق".

إن النساء اللواتي "تنخلع" أيديهن وهنّ يحرّكن قطعة من البلاستيك طوال الليل لتبريد أجساد أطفالهن، هن أكثر المتضررات من وضع انقطاع الكهرباء، وهن أكثر من يمتلكن كامل الحق بالمطالبة أن نكون كباقي نساء العالم، ونتمتع بهذا الحق الطبيعي- تقول إيناس-.

لكن في ظروف مثل قطاع غزة، تتساوى النساء هنا في المعاناة شتاءً وصيفًا، فمن لهيب تموّز الذي تحوّل إلى أزمة سنوية تؤرّق النساء إلى برد الشتاء القارص الذي يجمّد الأجساد، هنا ثمة نساء يعانين من أشكال مضاعفة من العنف أبرزها ما يمكن تسميته "الظروف العامة في قطاع غزة".