شبكة نوى | قطاع غزة:
منذ بداية العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة لم تتوقف آلة الحرب عن إبادة عائلات فلسطينية بأكملها؛ عن طريق استهداف منازلهم فوق رؤوسهم دون سابق إنذار، ولم يكن يمر يومًا على الفلسطينيين دون أن تحيل طائرات الاحتلال الإسرائيلي ومدفعياته عددًا من المنازل في مختلف محافظات قطاع غزة إلى كومة من الركام.
"مجزرة الوحدة" ربما كانت هذه المجزرة هي الأكثر دموية، حيث شنت إسرائيل غارات عنيفة على المدنيين الآمنين في منازلهم بشارع الوحدة وسط مدينة غزة، مما أسفر عن استشهاد أكثر من 45 شهيدًا نحو نصفهم من عائلة الكولك.
كانت عقارب الساعة تشير إلى الواحدة بعد منتصف ليل الأحد، حينما كانت تُهدّأ دعاء الحتة (40 عامًا) من روع صغارها الخائفين "آدم وعزيز وزيد"، وتطلب منهم الاستمرار في الدعاء كي يرسل الله أمنه وسكينته على قلوبهم، ويوقف بطش الطائرات الإسرائيلية المستمرة في قصف المدنيين.
لم تمر دقائق معدودة على جلوس جميع أفراد الأسرة بجانب بعضهم البعض خوفا من قصف قريب منهم، حتى أصبح البيت كومة من الحجارة والرماد فوق أجسادهم عقب استهدافه من الصواريخ الحربية الإسرائيلية، قتلت دعاء وزوجها وطفليها آدم وزيد، إلا أن عزيز ظل صامد لساعات تحت ركام منزله بين جثث أسرته قبل انتشاله حياً.
وصل عدد الشهداء إلى ٢٣٠ شهيدًا بينهم ٦٥ طفلا و٣٩ سيدة و17 مسن إضافة إلى١٧١٠ مصاب بجراح مختلفة.
شهادة ناجية من الموت
وعلى سرير المستشفى في مجمع الشفاء الطبي كانت ترقد السيدة "سناء" إحدى الناجيات من المجزرة التي ارتكبت بحق عائلة الكولك، بعد ست ساعات أسفل الأنقاض، وفقد ٥ أفراد من عائلتها.
تروي لـ "نوى" ما حدث قائلة: "استيقظت على أحد أبنائي وهو يقول لي بسرعة هيا نخرج هناك قصف شديد"، مسرعاً مرتبكاً يدور حول أسرته في محاولة للبحث عن مخرج آمن.
تضيف بصوت حزين: "لم أستطع الخروج من البيت فقد باغتتنا الصواريخ وشعرت بالحجارة وهي تسقط فوقي أنا وابني محمد الذي كان بجواري وقت انهيار البناية وأصبح المكان مظلمًا".
من تحت الأنقاض كانت تنادي سناء "محمد يما أنت عايش"، ليأتيها صوته كالسكينة التي هبطت على قلبها رغم هول وعظم الموقف "هيني يما اه عايش".
لم تشعر الأم بنفسها، اختنقت وكتفها يتحسس جسد ابنها محمد، لم تتوقع أنهما سينجوان من بين زوجها وابنها وابنتها وحفيدها ابن الأشهر الستة وزوجة ابنها، لم يبق سواي أنا ومحمد – تخبرنا -.
ونفّذت إسرائيل مجازر مماثلة قبل مجزرة الوحدة، حيث استهدفت منزلًا يعود لعائلة أبو حطب في منطقة الشاطئ غرب مدينة غزة، فجر السبت، مما أسفر عن استشهاد سيدتين وأطفالهما الثمانية ونجاة رضيع فقط يبلغ من العمر 5 سنوات.
مجزرة الوحدة" ربما كانت هذه المجزرة هي الأكثر دموية، حيث شنت إسرائيل غارات عنيفة على المدنيين الآمنين في منازلهم بشارع الوحدة وسط مدينة غزة، مما أسفر عن استشهاد أكثر من 45 شهيدًا
زوج إحدى السيدين محمد أبو حطب لم يصدق نفسه ولم يتمالكها حينما رأى رضيعه عمر مازال على قيد الحياة. يتحدث أن زوجته ذهبت برفقة أبنائها الخمسة لمنزل شقيقها الذي يعود لعائلة أبو حطب، ولكن الصواريخ سقطت على رؤوسهم دون أي انذار سابق للأسرة ليقوموا بإخلاء المنزل.
يتساءل الرجل "ما ذنب الأطفال الأبرياء ليقتلوا لقد خرجوا بثياب العيد وهم فرحون؟"
وفي شمال قطاع غزة أبادت الطائرات الإسرائيلية عائلة كاملة في بلدة بيت حانون، بعد قصف تسبب بتدمير منزلهم. وأسفر القصف عن استشهاد جميع أفراد عائلة الطناني المكونة من 6 أفراد (الأب رأفت 38 عامًا، والأم راوية أبو عصر 35 وجنينها وأطفالهما الأربعة)
يقول جار الشهيد، خالد راسم: "قبل القصف بدقائق معدودة للغاية سمعنا صوت ضجيج عالٍ وصراخ في الشارع الخلفي لمنزلنا، خرجت فوجدت الشهيد رأفت يقف أيضًا بالجوار وعلمنا أنه سيتم استهداف بناية مجاورة لنا".
كانت الصواريخ أسرع منهما، لم يدرك هول الحدث إلا عندما تم انتشاله من أسفل الركام مع أمه وأخته وابنته، ثم صدم بخبر استشهاد جاره رأفت وكل عائلته التي ظل الدفاع المدني يحاول انتشالهم لمدّة ١٧ ساعة.
وحسب إحصائية لوزارة الصحة الفلسطينية فقد وصل عدد الشهداء إلى ٢٣٠ شهيدًا بينهم ٦٥ طفلا و٣٩ سيدة و17 مسن إضافة إلى١٧١٠ مصاب بجراح مختلفة.
ريهام فتحي، أم لأربعة أطفال، تقطن بلدة بيت حانون، فرّت هاربة من منزلها بعد بدء العدوان بأيام جراء القصف الشديد بالقرب من مكان سكنهم، ولم تعد للمنزل حتى الآن.
عن القصف تتحدث أنها لم تكن وعائلتها تعرف أين كل هذا الاستهداف، خرجت وهي تحمل طفلها بيد وتمسك الآخر بيدها الأخرى وهي تصرخ دون إدراك، وأما زوجها فيسمك طفليهما الآخرين، وعندما غادروا المنزل هاربين من صواريخ الموت، تفاجأوا بحجم الدمار الكبير والبيوت التي اختفت.
الأورومتوسطي: إن الاحتلال الإسرائيلي يتعمد استهداف المدنيين وقصف البيوت فوق أصحابها ضمن سياسة العقاب الجماعي
تتابع أنهما عندما كنا ذاهبين للمستشفى لعلها تكون أكثر الأماكن أمنا اشتد القصف بجوار المستشفى، انخلع حذائها من قدمها ولم تنتبه أن قدمها كانت تنزف إلا بعد مرور وقت على ذلك.
أنس الجرجاوي مسؤول العمليات في المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان يعلق لشبكة "نوى": "إن الاحتلال الإسرائيلي يتعمد استهداف المدنيين وقصف البيوت فوق أصحابها ضمن سياسة العقاب الجماعي، ويتعمد إلحاق أكبر خسائر في الأرواح والممتلكات".
ويردف أن الجيش الإسرائيلي لديه منظومات مراقبة واستخبارات متطورة جدًا تمكنه من تحديد الأهداف العسكرية من الأهداف المدنية بكل دقة ويمكن لقواته تجنب قصف المدنيين ولكنه لم يفعل ذلك، مشيراً إلى أن المرصد وثق 29 حالة قصف مباشر استهدفت عائلات ممتدة منها 21 حالة قصف منازل على رؤوس قاطنيها.
ويوضح أن هناك قواعد وقوانين مهمة في القانون الدولي الإنساني تحكم النزاعات المسلحة وتحظر استهداف المدنيين خلال العمليات العسكرية، ويزيد "لا يجوز بأي حال من الأحوال وفق القوانين الدولية تدمير برج سكني كامل فقط لوجود شقة سكنية تتبع لناشط من أي فصيل كما يتحجج جيش الاحتلال".
لا يزال الفلسطينيون يعيشون هول الصدمة من صور الدمار وأشلاء الأطفال والشهداء المنتشلة من تحت الركام، وتدمير الشوارع والبنى التحتية، يحصون شهداءهم ويروون قصصهم قبل الموت، وأيضاً يعبرون عن صدمتهم من نجاة الباقين على الحياة يتنفسون، ويترقبون هول الحرب القادمة، إنها الحياة في غزة.
