غزة:
باستخدام أوراقٍ ملوّنة، وإبرةٍ مشقوقة، وصمغٍ أبيض، وملقطٍ ومشرط، تُبدعُ الشابة العشرينية نداء الشنطي (24عامًا) بإنتاج لوحاتٍ فنية من "الكويلنج"، أو ما يُعرف بفن لف الورق.
وسط مجموعةٍ من اللوحات التي أنتجتها سابقًا، تصبُّ الشابة التي تسكن مدينة غزة جُل تركيزها، على رص لفافاتٍ ورقية ملونة، وتثبيتها باللاصق فوق سطح لوحةٍ بنية، لتكون النتيجة النهائية لساعتين من العمل المتواصل "كوبًا من القهوة، يخرج منه البخار".
ولمن لا يعرف "الكويلنج"، هو فنٌ قديمٌ عرفه الصينيون مع بداية معرفتهم الورق، فشكّلوا من خلاله لوحاتٍ فنية متنوعة، وبدأ بالانتشار في أوروبا وجميع أنحاء العالم في العصر الحديث.
تقول نداء لـ "نوى": "هو ليس تخصصًا يمكن دراسته، بل شغف وموهبة (..) لقد درستُ علم الاجتماع لقناعتي بأنه يمنحني القدرة على فهم المجتمع والتعمق في قراءته، لكن بقي الفن بالنسبة لي قناعةً أكبر".
تطوعت نداء التي كانت منذ الصغر تجيدُ الرسم بالفحم، بداية العام الحالي في عدة مؤسسات، انطلاقًا من تخصصها الدراسي، إلا أنها انجذبت فجأةً لفن "الكويلنج"، وما رأته فيه من تميّز عن سائر الفنون، "ناهيك عن قلة المهتمين به في غزة".
بفضل صديقةٍ لها تتقن هي أيضًا هذا الفن، وباستثمار مواقع التواصل الاجتماعي، باشرت نداء بتعلّم الكويلنج الذي أجادته سريعًا، وباشرت بإنتاج لوحات فنية، لاقت تشجيع أهلها وصديقاتها ومحيطها الاجتماعي.
وتضيف: "استخدمتُهُ لتفريغ الطاقة السلبية، وملء وقت الفراغ بعد ساعات الدراسة والعمل، استهواني أنه جديد في غزة، حتى في تخصص التربية الفنية، تتم دراسته كمتطلب فقط، يكتفي الطلبة بمعرفة ماهيته، لكنهم لا يحاولون تطبيقه –إلا ما ندر".
أبرز المعوقات التي واجهت الشابة، هي عدم توفر المواد الخام اللازمة لتطبيق هذا الفن، فسعت للاستعاضة عنها بما هو متوفر من ورق A4 مقوّى، ولاصق خاص، تعقب: "حديثًا توفّرت الإبرة الخاصة به في قطاع غزة، وهذا يقلل من تكلفته، واختصر علي الكثير من الصعوبات أثناء العمل".
أجمل ما رسمته نداء بـ "الكويلنج" هو الآيات القرآنية، "فالخط العربي بجماله التقليدي يُضفي روعةً إضافيةً على أناقة هذا الفن" تقول، مستدركةً: "لكن الأمر احتاج مني للاستعانة بالحاسوب كوني لست خطاطة، لكن الأكثر صعوبةً بالنسبة إلي هو رسم اللوحات العادية، التي يفترض أن أجسدها من خيالي بوضع الورق الملون، دون أي رسمٍ مسبق على اللوحة".
وتتنوع المواضيع التي تتناولها الشابة برسوماتها، ما بين توعوية كتلك التي تتحدث عن مخاطر "كورونا"، وتعزز فكرة التباعد الاجتماعي، وأخرى جمالية للزينة، كرسم الورد والبيوت، والتعبير عن القضايا الوطنية، مثل رسم علم فلسطين، وخارطة فلسطين.
في العام الماضي، توجهّت نداء إلى وزارة الثقافة الفلسطينية في قطاع غزة، وعرضت على المسؤولين فيها إعطاء دورة تدريبية في هذا المجال، ليكون هذا الفن معروفًا أكثر، تكمل: "بالفعل، منحوني فرصة للمشاركة في معرض، واشترطوا إقبال الجمهور على اللوحات لإنجاز الدورة، بالفعل نجح العرض حينذاك، لكن كورونا كانت بالمرصاد".
تعطّلت فكرة التدريب بسبب "كورونا"، وحتى الطلبات التي كانت قد وصلتها عبر حسابها على موقع نشر الصور (إنستغرام) توقفت وألغيت لذات السبب، "الكل كان خائفًا من عمليات الاستلام والتسليم".
وتشير إلى أن الناس يخلطون بين فن الأوريجاني الياباني، والكويلنج الصيني، فالأول هو طي الورق، أما الثاني، فهو لف الورق، ويحتاج إلى مشرطٍ ولاصقٍ وإبرة، وهو ما لا يحتاجه الياباني.
تطمح الشابة التي ما زالت تشقّ طريقها في هذا المجال، إلى امتلاك مكانٍ خاصٍ بها تنجزُ فيه لوحاتها، فهي ما زالت تتنقل من غرفة لغرفة داخل بيتها "وهذا يشتتها في أحيان كثيرة"، وعلى صعيد الفن فهي تسعى إلى تطوير مهاراتها من خلال متابعة كل ما هو جديد، إضافة إلى إعطاء دوراتٍ تدريبية تسهم في التعريف أكثر بفن "الكويلنج".
يشار إلى أن قطاع غزة الذي تحاصره سلطات الاحتلال الإسرائيلي منذ 14 عامًا، ويسكنه قرابة 2 مليون مواطنة ومواطن، يعاني أكثر من 54% من سكانه من الفقر الشديد، ناهيك عن العزلة التي يحرم الكثير من الشباب فرص التطور والتعرف على العالم من حولهم، وهو الأمر الذي يجعل من أي إبداعٍ كسرًا للحصار، وتحديًا لقساوة الظروف هنا.










