غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
عاصفةٌ من القلق والتوتر اجتاحت مشاعر سكان قطاع غزة المحاصر منذ أربعة عشر عامًا، مع ظهور أولى حالات الإصابة بفايروس "كورونا" خارج مراكز الحجر الصحي للعائدين من الخارج.
قلقٌ تفاقم أضعافًا لدى الأشخاص ذوي الإعاقة، عندما فُرِض الحجر، وصارت "العزلة" التي تحاول الغالبية العظمى منهم –في الوضع الطبيعي- الخروج منها برفع الإنتاجية، والانخراط في أنشطة وفعاليات الحياة والمجتمع، أمرًا لا مفر منه، بالنسبة لهم، ولكافة سكان القطاع.
"مع الإعلان عن حظر التجول العام في نهاية أغسطس/ آب الماضي، شعرتُ بالاستياء الشديد طوال فترة مكوثي في المنزل".
يقول ناجي: "مع الإعلان عن حظر التجول العام في نهاية أغسطس/ آب الماضي، شعرتُ بالاستياء الشديد طوال فترة مكوثي في المنزل، دام الأمر نحو 40 يومًا، حاولت خلالها تغيير الأجواء السلبية بممارسة التمارين الرياضية، لكن الوقت كان يمر ثقيلًا، دون عمل، دون إنجاز".
ناجي الذي فقد ساقه إثر انفجارٍ غامض في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، يحرص على ممارسة هوايته بلعب كرة القدم بين الفينة والأخرى، ومع عودة الحياة إلى طبيعتها تدريجيًا، بعد فك الحظر الكامل، رجع يقود دراجته الهوائية بشكلٍ يومي ليوثق بكاميرا هاتفه المحمول مشاهد مصورة للحياة اليومية، ويشاركها مع أصدقائه عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك".
يعقب: "الحواجز والعزلة التي فرضها الفايروس، لا تجرح ذوي الإعاقة، بقدر ما تجرهم ثقافة المجتمع تجاه هذه الفئة، وتنمر البعض عليهم، ومعاملتهم كأنهم بلا فائدة، فاقدين للقيمة المجتمعية".
نتائج سيئة
وتوضح مرشدة الأقران علا حمد، أنها كانت تتابع -عن قرب- وقبل ظهور الوباء في المجتمع، حالة سيدة من ذوات الإعاقة بمدينة غزة، وقد نجحت في تغيير نظرتها لنفسها، وساهمت في جعلها تتفاعل مع محيطها، إلا أن فترة الإغلاق التي فُرضت بعد تفشي الجائحة، جعلتها تمر بانتكاسة صعبة.
وتشير حمد إلى أن الإجراءات الوقائية وظروف التباعد الاجتماعي، أجبراها على متابعة حالة السيدة عبر برامج وتطبيقات التواصل الاجتماعي كـ"سكايب"، "وهي برامج لا تفي بالغرض المطلوب، مع الحالات العلاجية التي تتطلب ملاحظة عن قرب لردود أفعال المريض" تقول.
الحالة النفسية لابنتها تغيرت تمامًا مع انتشار "كورونا"، حيث توقفت عن الخروج من البيت "خشية الإصابة"، ولم يعد لديها فرصة للالتقاء بصديقاتها، وأصبحت أكثر اكتئابًا.
وتذكر أن والدة المريضة أبلغتها بأن الحالة النفسية لابنتها تغيرت تمامًا مع انتشار "كورونا"، حيث توقفت عن الخروج من البيت "خشية الإصابة"، ولم يعد لديها فرصة للالتقاء بصديقاتها، وأصبحت أكثر اكتئابًا.
ومرشد الأقران، هو شخص من ذوي الإعاقة، تمكن من التغلب على المعيقات التي تواجهه، فامتلك الخبرة التي تؤهله لنقل تجربته إلى أقرانه من ذوي الإعاقة، لمساعدتهم على مواصلة الطريق.
بدورها، تؤكد المرشدة النفسية بسمة يونس، أن الفئة الأكثر تضررًا من حالة الإغلاق التي فرضها فايروس "كورونا" هي فئة ذوي الإعاقة الذهنية، ذلك بسبب انقطاعهم عن الجمعيات التي تقدم الرعاية، وافتقادهم لأصدقائهم هناك، "أي المحيط الاجتماعي الذي لديه القدرة على فهم احتياجاتهم".
"تلقينا بالفعل عشرات المكالمات الهاتفية، التي تشتكي ظروف الحجر، والعزلة التي فرضها منذ عدة أشهر".
وتوضح أن مشروع "مجتمع شامل ومتاح للجميع" الذي يخدم الأشخاص ذوي الإعاقة في المنطقة الوسطى، أطلق خدمة الخط الساخن لتقديم الإرشادات التوعوية والنصائح النفسية للأشخاص ذوي الإعاقة، "وقد تلقينا بالفعل عشرات المكالمات الهاتفية، التي تشتكي ظروف الحجر، والعزلة التي فرضها منذ عدة أشهر".
وتلفت يونس إلى أن ذوي الإعاقة الذهنية، يعانون من مشاكل نفسية صعبة بفعل أزمة "كورونا"، خصوصًا وأن فئة كبيرة من عائلاتهم لا يملك أفرادها الوعي والدراية الكافية، بأساليب التعامل مع أبنائهم داخل المنزل.
إغلاق
وينبه استشاري التأهيل النفسي حسين أبو منصور، إلى أن الحجر المنزلي العام، خلّفَ آثارًا نفسية سيئة للغاية على ذوي الإعاقة، بسبب ما تَرافَق معه من إغلاق تام لجميع المؤسسات والمراكز التي تعتني بهم، فيما حرم 8% منهم من ممارسة أعمالهم.
وبين أن الإغلاق حرم نسبةً كبيرةً منهم من احتياجاتهم وحقوقهم الأساسية، التي تؤمّن لهم القدرة على الاستمرار والاندماج في المجتمع، وتخطّي الصعوبات التي تتحداهم، متحدثًا في الوقت نفسه، عن نقصٍ شديد في خدمات الدعم النفسي.
ويفيد منصور بأن أكثر فئات ذوي الإعاقة تضررًا من الحجر المنزلي هم مرضى "التوحد"، "فقبل تفشي الجائحة كانت المؤسسات تحاول إخراجهم من البيت، وعزلهم عن شاشات التلفاز التي يقضون أمامها فترات طويلة، لكن مع الحجر المنزلي أصبح الأمر أكثر تعقيدًا"، مشيرًا إلى أن هذا الأمر يزيد العصبية والاضطرابات النفسية التي يعاني منها مرضى التوحد "وهذا يتسبب بتراجع الدورة العلاجية بدلًا من تقدمها".
أكثر فئات ذوي الإعاقة تضررًا من الحجر المنزلي هم مرضى "التوحد"، كانت المؤسسات تحاول إخراجهم من البيت، وعزلهم عن شاشات التلفاز، لكن مع الحجر المنزلي أصبح الأمر أكثر تعقيدًا".
وحث استشاري التأهل النفسي، السلطات المعنية على ضرورة إتاحة الفرصة لذوي الإعاقة، من أجل الاندماج في المجتمع، حتى في ظل الجائحة، مع الأخذ بإجراءات السلامة والوقاية من المرض، مبديًا تخوفه من الآثار النفسية للعزلة عن المجتمع، التي ستظهر عند هذه الفئة بعد انقضاء الجائحة، "لذا من الضروري توفير وحدات الدعم النفسي لمعالجة الآثار الوخيمة للجائحة، قبل ظهورها وتفاقها، وبالتالي صعوبة علاجها" يقول.
