غزة:
ثلاثة حروب وأربعة عشر عامًا من الحصار، لم تكف خلالها سلطات الاحتلال الإسرائيلي عن التضييق على الصيادين وإجبارهم على ترك البحر، فمن الملاحقة في عرضه وإطلاق النار، إلى سحب المراكب، وليس انتهاءً بمنع إدخال المعدات وقطع الغيار، بمزاعم أمنية، فبات صيادو الأسماك الكبيرة كهواة الصيد، وهم يحاولون عبثًا تأمين لقمة عيشهم.
يقول الصياد خالد الهبيل: "إن سلطات الاحتلال حكمت عليه وعلى مركبه بالإعدام ضمنيًا، مع استمرار رفضها إدخال "قير المركب" المسمى (تون ديسك 1/5) ويزن (800) كجم".
ويشير الهبيل، وهو صاحب مركب كبير، يعمل على متنه (18) فردًا يعتاشون على مهنة الصيد، إلى أن تعطل هذا النوع من المراكب، يعني توقف مصدر دخل تلك الأسر.
ويوضح أن محاولات إدخال قطع الغيار كثيرة ولكن دون جدوى، سواءً من جانب الاحتلال الإسرائيلي، أو من الجانب المصري، "ففي مصر يتراوح سعر القير أو ناقل السرعات بين (4 و10) آلاف دولار، ولكن يمنع الاحتلال استيراده من مصر ونقله عبر معبر كرم أبو سالم"، منوهًا إلى صعوبة إيجاد بديل في السوق المحلية أو إصلاحه.
ويضيف الهبيل: "الاحتلال لم يسمح بإدخال أي محركات أو قطع غيار للمراكب المتعطلة منذ 14 عامًا، في حين أن العمر الافتراضي لأي محرك لا يتعدى خمس سنوات".
الحال نفسه يعانيه الصياد جمال بكر، ففي عام 2012م، سحبت قوات الاحتلال مركبه بما عليه من معدات إلى ميناء أسدود، ولا يعلم عنه شيئًا حتى اليوم.
ويعيل بكر أسرة من (10) أفراد، وقد طرق جميع الأبواب ليعوض خسارته في "حسكة السنار" التي لم تعمل في البحر سوى ثلاثة أيامٍ فقط، دون أن يجد معينًا، كما يقول، مشيرًا إلى أن المركب، كان يحمل ماتورًا بقوة (40) حصانًا، ومعدات بقيمة (10) آلاف شيقل.
ويلفت إلى أن سلطات الاحتلال أغرقت في عام 2014م، مركبه الثاني بكامل المعدات التي عليه، بعد أن اعتقلت ابنه الوحيد، وأعادته إلى غزة عبر حاجز بيت حانون "إيرز" بعدما ظن أنه استشهد في وسط البحر.
ويتابع بمرارة وحسرة: "ذهب كل التعب والمال في لحظة، لم أستطع أن أتمالك دموعي، فلم أجنِ أي شيقل من المركب، وقد توجهت إلى وزارة الزراعة، ولم أحصل على أي تعويض".
وبكر الذي ناهز عمره منتصف العقد الخامس، يعمل مع الصيادين بما تيسّر لتأمين قوت أبنائه، وسداد ديونه للبنك، قائلًا: "أصبحت الآن مطاردًا للشرطة البحرية، والبنك، والكفلاء، بعد أن فقدت مصدر دخلي كليًا".
قيود متعددة
بدوره يوضح مسؤول لجان الصيادين في قطاع غزة، زكريا بكر، أن الاحتلال فرض منذ عام 2006م، قيودًا كبيرة وإغلاقًا شاملًا على إدخال كل معدات الصيد، سيما مواد تصنيع السفن مثل: مادة الفيبرجلاس، والألواح الزجاجية الخاصة بالمراكب، والشاش، والشبك، وغيرها، إلى جانب منع إدخال المحركات وقطع الغيار.
ويشير إلى أنه ومنذ عام 2012م، وحتى اليوم، لم يُصنّع أي قارب جديد، "فسعر جالون الفيبرجلاس تضاعف 12 مرة عن سعره الأساسي، بواقع 2400 شيقلًا، بعد أن كان سعره لا يتعدى 200 شيقل، وحسب السوق السوداء، "وبالتالي لا يستطيع الصياد شراءه، وصناعة قارب جديد".
ويشير إلى تعمد الاحتلال استهداف محركات المراكب، أو ما يسمى بـ(بلوك المحرك) لإعطابها ومصادرة المراكب والمعدات المتواجدة، مؤكدًا أنه صادر منذ عام 2006م، نحو (250) قارب صيد.
ويردف بالقول: "صحيحٌ أنه أعاد عددًا كبيرًا منها، ولكنها مدمرة وبلا معدات، خصوصًا المحركات، أي غير صالحة للاستخدام أو للإبحار، فهي أشبه بأكوام الحديد الصدِئ، بسبب العوامل الجوية، ومكوثها في الميناء الإسرائيلي دون صيانة".
وينبه إلى أن الاحتلال لا يزال يحتجر (33 إلى 35) مركبًا، ويحتجز 66 محركًا، "وقد ادعى أنه أفرج عنها، ولكن هذا غير صحيح، وإنما سلَّمَ المراكب بدون محركاتها، وقد فقدت منها العشرات من أجهزة تحديد المواقع (GPS)".
ويقول المسؤول عن توثيق الانتهاكات بحق الصيادين الفلسطينيين: "إن العمر الافتراضي للمحركات انتهى منذ عشر سنوات، وكل عمليات الترقيع والإصلاح لا تفيد"، مشيرًا إلى وجود (200) قارب بحاجة لصيانة واستبدال محركات غير متوفرة.
ويضيف: "للبحر النصيب الأكبر في الاعتداءات الإسرائيلية الثلاثة التي عاشتها غزة، فيكون مقدمة الحرب البحر، ونهاية الحرب البحر، وما بينهما عمليات قصف لمرفأ الصيادين ومراكبهم"، ملفتًا إلى أن الاحتلال قصف في عام 2014م، مخازن وغرف الصيادين، ودمر (110) محركات في غضون ساعات، ولم يتم إدخال أي محرك جديد حتى اليوم.
ويؤكد بكر أن الاحتلال يتذرع بأن المحركات وقطع الغيار الخاصة بالمراكب، هي "مواد ثنائية الاستخدام"، وهو مصطلح يطلقه بادعاء استفادة المقاومة الفلسطينية من هذه الأدوات، مشددًا على أن تلك مزاعم واهية، "فهناك أكثر من 1000 مركب تعمل على المحركات، وبشكلٍ يومي، والمئات من قوارب الصيد تعمل تحت أعين الاحتلال".
ويرى أن الهدف غير المعلن، هو السيطرة على الموارد الطبيعية الفلسطينية، والغذاء الفلسطيني البحري، وتدمير قطاع الصيد، وهو ثاني أهم قطاع إنتاجي في قطاع غزة.
ويحتاج قطاع الصيد عمومًا، إلى (300) محرك لمراكب "الحسكات"، ويعزو بكر هذا العدد إلى سرعة تقادم المحركات بسبب عدم توفر موانئ في أربعة من محافظات القطاع، "فغزة هي الوحيدة التي تمتلك ميناءً، أما في باقي المحافظات، فتدخل المراكب عن طريق الشاطئ وترجع إليه، أي أنها تتعرض بشكل يومي لاحتكاك مراوح المحركات مع الرمل أو الصخر" يضيف.
ومضى إلى القول: "لا يوجد في غزة أي محرك بحري، ويحاول الصيادون التغلب على الأزمة باستبدالها بمحركات برية من الشاحنات الكبيرة، بعد إعادة هيكلتها محليًا للعمل بحريًا، فمنذ انسحاب الاحتلال من غزة، لم يسمح بدخول أي محرك".
ويلفت إلى أن مكتب المفوض السامي، طالب بالإضافة إلى عددٍ من المؤسسات الحقوقية الإسرائيلية المُناصِرة للفلسطينيين، ناهيك عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقدمت بمشروع مساعدة الصيادين المتضررين، بإدخال معدات الصيد لصيادي قطاع غزة، "ولكن كل المطالبات قوبلت بالرفض، والتعنت الإسرائيلي".






