بلفور .. الوعد الجريمة
تاريخ النشر : 2020-11-01 19:15

غزة:

"نعم أعرف وعد بلفور"، بهذه الكلمات تحدثت الطفلة الفلسطينية سارة أبو عساكر "13 عامًا" التي تسكن مدينة رفح جنوب قطاع غزة، مضيفة "من وأنا صغيرة بسمع فيه".

وتكمل الطفلة التي تعيش في حي أغلب سكّانه من اللاجئين الفلسطينيين الذين تهجّروا من بلداتهم الأصلية داخل الأراضي المحتلة عام 1948 :"تعلمت في المدرسة من أساتذتي ومعلماتي عن قضيتنا، وعن وعد بلفور وعن النكبة وسرقة بلداتنا الأصلية، واننا لاجئين".

صحيح أن سارة صغيرة، ولكن لا يمكنها نسيان ذكريات حرب عام 2014 حين كانت تبلغ السابعة من عمرها، فتعقّب:"لولا وعد بلفور الذي جاء بالاحتلال لكنّا في بلدة يبنا بلدتي الأصلية، ولولا وعد بلفور لما عشت الحرب".

وعد بلفور هو اسم تصريح وزير الخارجية البريطاني آرثر عام 1917 بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين والذي أرسله إلى صديقه اليهودي روتشيلد، ولم تكتف بريطانيا بهذا الوعد بل إنها سهّلت وصول اليهود إلى فلسطين أثناء الانتداب البريطاني وعلى مدار 30 عامًا حتى قيام ما عُرف لاحقًا بدولة إسرائيل بعد تدمير آلاف المدن والقرى الفلسطينية وقتل آلاف الفلسطينيين.

الواقع الذي يعيشه أطفال فلسطين من انتهاكات إسرائيلية مستمرة، جعلهم يفهمون ما هو أكبر من عمرهم، فمن الطبيعي أن يسألون لماذا يحدث لنا هذا، تمامًا كما تقول الطفلة سجى شاهين من مخيم جباليا للاجئين الفلسطينيين شمال قطاع غزة "15 عامًا".

كساب:تداعيات الوعد ما زالت تطاردنا حتى وصلت قضيتنا إلى وضع غير مسبوق 

تقول الطفلة التي كانت تلعب برفقة مجموعة من صديقاتها أمام بيتهم الاسبستي في المخيم في وصف هذا الوعد الذي يتسبب الآن في تشريد ملايين الفلسطينيين: "صحيح أن الاحتلال الإسرائيلي هو الذي يحتلنا ولكن بريطانيا هي من أعطتهم الفرصة حين كنا تحت الاحتلال البريطاني قبل نكبة 1948".

فالرسالة التي تألّفت من 67 كلمة وسُميت وعد بلفور أقرّتها بريطانيا وما زلنا ندفع ثمنها حتى الآن عبر محاولات طمس الهوية رغم حق تقرير المصير، تقول الباحثة الشابة سماح كساب.

لكن الأقسى – والقول لكسّاب- هو أن تداعيات الوعد ما زالت تطاردنا حتى وصلت قضيتنا إلى وضع غير مسبوق من حيث صفقة القرن وقرار الضم وقانون القومية الإسرائيلي والانتهاكات الإسرائيلية اليومية من هدم للبيوت وتغوّل الاستيطان وكله على أساس وعد بلفور حين تضمّن قيام دولة تسمى إسرائيل على أرض فلسطين، بل ووعد بريطاني ببذل كل الجهود من أجل حصول إسرائيل على ذلك.

كساب :بريطانيا فتحت المجال لليهود لبناء مؤسسات الدولة وتقوية أنفسهم، ومنع الفلسطينيين من ذلك

بريطانيا فتحت المجال لليهود لبناء مؤسسات الدولة وتقوية أنفسهم، ومنع الفلسطينيين من ذلك، هي السياسة المعتمدة وغير المعلنة أو غير المكتوبة التي تم تنفيذها. فأنشأ الصهاينة الوكالة اليهودية التي كانت تقوم بمهام مشابهة لمهام الدولة في فلسطين، ومن خلالها تم تطوير البنى الاقتصادية والتعليمية والاجتماعية اليهودية، وهذا كله يثبت حسب كساب أن الحكومة البريطانية قامت بدور متعمد وبشكل واعٍ تماماً وعن سبق إصرار، بجعل فلسطين تحت أوضاع لا يمكن إلا أن تؤدي إلى أضرار كارثية بالشعب الفلسطيني. وتفتح المنطقة على سلسلة من الحروب والصراعات وسفك الدماء والمعاناة.

لذا كان على بريطانيا الاعتذار للشعب الفلسطيني لما ترتب على هذا الوعد من انتهاك للقوانين الدولية، بل لحق ذلك العديد من الإجراءات التي جاء بها ترمب منذ بداية توليه رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية وشجع الاحتلال الإسرائيلي على المضي قدمًا في توسيع الاستيطان، تقول كساب.

ويتحدث الباحث السياسي عزيز المصري عن وعد بلفور بلفور الذي في سياق مساعي الحركة الصهيونية بزعامة وايزمان للحصول على وطن قومي لليهود وتلاقت المصالح الصهيونية مع سياسة الاستعمار البريطاني وخاصة مع الدعم الصهيوني الكبير لدور الحلفاء في الحرب العالمية الأولي فكانت المكافأة بإعطاء وعد على شكل تصريح من قبل وزير خارجية بريطانيا بلفور لرئيس الحركة الصهيونية حاييم وايزمان بعد توفيره لمادة هامة في الصناعات الكيميائية.

المصري: لا يمكن إغفال  الجانب الديني حيث تزعمته الكنيسة المسيحية البروتستنانية التي تؤمن بالعهد القديم

لكن لا يمكن إغفال جانب مهم في هذا السياق وهو الجانب الديني حيث تزعمته الكنيسة المسيحية البروتستنانية التي تؤمن بالعهد القديم القائل وبوجوب قيام دولة إسرائيل ونزول السيد المسيح والعيش ألف عام سعيد بعد تحرير فلسطين، يقول المصري.

ويضيف:" بعد 100 عام من تصريح بلفور جاء ترامب يكمل ذات المشروع بنفس الدوافع الدينية والسياسية والعقائدية"".

هذا التصريح – والقول للمصري- شكّل وثيقة مهمة لإسرائيل للاعتراف بحقها المزعوم في أرض فلسطين، خاصة بعد حصول التصريح على موافقة المنتصرين في الحرب العالمية الأولي ومباركة الرئيس الأمريكي ويلسون لمحتواه.

كذلك هو أعطى اليهود دولة لهم على أرض ليست ملكًا لهم، وعلى مقولة شعب بلا أرض لأرض بلا شعب، فالحركة الصهيونية – يقول المصري- بذلت جهدها لإدراج تنفيذ التصريح ضمن قرار الانتداب البريطاني على فلسطين الصادر عن عصبة الأمم في 1920.

المصري:محاولات الضغط على بريطانيا للاعتذار باءت بالفشل لعدم وجود حاضنة عربية للشعب الفلسطيني وضعف النظام السياسي الفلسطيني

"بريطانيا إذن تتحمل مسؤولية تاريخية وأخلاقية وسياسية حول إعلانها تصريح بلفور واعطاء حقوق لا تمتلك حق التصرف بها لشعب ليس له حق في أرض يملكها شعب آخر، ومن المسؤولية الأخلاقية أن عليها الاعتذار عن هذا الوعد أو التصريح الذي تسبب بمأساة استمرت 103 أعوام للشعب الفلسطيني الذي قتل وهجر وطرد من وطنه، يقول المصري.

ويضيف :"لكن محاولات الضغط على بريطانيا للاعتذار باءت بالفشل لعدم وجود حاضنة عربية للشعب الفلسطيني وضعف النظام السياسي الفلسطيني في الضغط بهذا الاتجاه، وتهديده بمصادرة التمويل والدعم المالي والسياسي عدا عن فزاعة الاتهام بمعاداة السامية لكل منتقد لإسرائيل في بريطانيا والعالم، ولكن إن أرادت بريطانيا الاعتذار فليس أقل من اعترافها رسميًا بالدولة الفلسطينية على حدود عام 1967والعمل على إنجاح حل الدولتين.