غزة:
في الوقت الذي قد يبدو فيه السودان "هدفًا طبيعيًا" لحملات الضغط الأمريكية، من قبل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، للحاق بركب الإمارات والبحرين في توقيع اتفاقية تطبيعٍ "سريعة" مع الاحتلال الإسرائيلي، صدحت قوى سودانية فاعلة، برفض هذه الخطوة من بلدٍ عُرف تاريخيًا بدعمه للنضال الفلسطيني.
الدولة المنهكة اقتصاديًا، التي تسعى إلى إزالة اسمها من قائمة الدول "الراعية للإرهاب"، هي واحدةٌ من أحجار اللعب التي يمكنها أن تحقق مكاسب دبلوماسية سياسية خارجية لإدارة الرئيس الأمريكي، قبل الانتخابات الرئاسية المقررة في تشرين ثاني/ نوفمبر المقبل.
وكانت وزيرة خارجية السودان، أسماء محمد عبد الله، صرحت عقب توليها المنصب بقولها "الوقت ما زال غير مناسب لإعلان التطبيع مع إسرائيل"، إلا أن السيدة التي تعدّ أول امرأةٍ تشغل هذا المنصب السيادي في السودان، بعد الإطاحة بحكومة الرئيس السوداني السابق عمر البشير، لم تغلق الباب تمامًا أمام فكرة التطبيع، بالتزامن مع هرولة قيادات عسكريةٍ سودانية للحاق بركب الفكرة، ودعمها بالخروج عن الأصوات المناهضة لأي علاقة مع المحتل الإسرائيلي.
البيطار:السودان أصبح لاعبًا وحيدًا في طريق حل قضاياه الداخلية الشائكة والمُلحة
وإذ يتفقُ الباحثان هيام البيطار وطلال أبو ركبة، على أن السودان بالفعل يسعى إلى التطبيع، فإن البيطار تؤكد أن السودان فعليًا أصبح لاعبًا وحيدًا في طريق حل قضاياه الداخلية الشائكة والمُلحة، واحتياجاته الكبيرة بكل المجالات، ومنها مواجهة انهيار أسعار صرف الجنيه السوداني والأزمة المالية الخانقة، والحاجة لترميم سدوده المهترئة، وتنمية فرص الاستثمار الزراعي والحيواني، خاصةً بعد قضية سد النهضة، "بمعنى أن جامعة الدول العربية لم تعد تمارس دورها في مساندة القضايا العربية".
أما الباحث أبو ركبة، فيرى أن السودان يسعى للتطبيع مع "إسرائيل"، سعيًا لحذف اسم الجمهورية من قائمة الإرهاب، والحصول على مساعدات مالية بمليارات الدولارات، تمكنه من بناء الدولة السودانية، معقبًا: "بالتالي هناك مصالح سودانية كُبرى من خلال هذا التطبيع، لأن هناك وعودًا عربية وأمريكية بدعم الحكم في السودان".
تقاطعه البيطار بالقول: "السودان يعيش واقعًا جديدًا بعد تشكيل المجلس الانتقالي، فالقيادة السابقة كانت ترفض التطبيع وأي علاقة مع الاحتلال، وهي أكثر الدول دعمًا للشعب الفلسطيني، أما الآن فالمجلس العسكري يُشبِه الحكم العسكري المصري"، مضيفةً: "الرؤى والأهداف أصبحت متغيرة، بالتالي أصبح السودان يهدف إلى أن يكون مساندًا للدول الوظيفية التي مهمتها دعم إسرائيل وأحقية وجودها على الأرض الفلسطينية".
أبو ركبة:طريق التطبيع لن تكون ممهدة، فهناك جبهة الرفض التي ستكون مؤثرة، وربما نشهد عدم استقرار في السودان
وحسب البيطار، فإن الظروف الدولية المتغيرة والأحداث الإقليمية المحيطة بالسودان مهيئة لذلك، كما أن الأهداف الإسرائيلية في السودان كبيرة ومتشبعة، منها رغبة الاحتلال في الحصول على مورد إفريقي قريب من الحدود مع البحر الأحمر، كما أن له أهداف في الوصول لحوض منابع النيل والاستفادة من مياهه، ناهيك عن أن "إسرائيل" أعلنت رغبتها في أن تستطيع طائراتها عبور الأجواء السودانية.
ويتوقع الباحث أبو ركبة، أن لا تكون طريق التطبيع ممهدة، "فهناك جبهة الرفض التي ستكون مؤثرة، وربما نشهد عدم استقرار في السودان، لا سيما وأن مؤتمر الخرطوم معروف بلاءاته الثلاثة الشهيرة: لا للاعتراف، لا للصلح، لا للتفاوض مع "إسرائيل".
ويتابع: "الآن السودان يلتحق بركب التطبيع مع الاحتلال، ونعرف الفارق الكبير بين الاحتلال والسودان، بالتالي هذا التطبيع سيكون له تبعات خطيرة على السودان، وربما نشهد صراعًا أهليًا بين القوى الراغبة والرافضة للتطبيع، في السنوات القادمة".
"ولكن ليس من المنطقي تحميل الفلسطينيين مسؤولية هرولة دول عربية نحو التطبيع، أو مقارنتها بدول عربية تملك خيارات أوسع للعلاقات الدولية"، يقول أبو ركبة، منبهًا إلى أن "حتى اتفاق أوسلو، لمن يلوح به، جاء بظروفٍ خاصة، ولم يكن نتيجة رضًا فلسطيني كامل، وبالتالي فإن تحميلهم مسؤولية التطبيع مغالطة تاريخية".
ويردف: "هم ذهبوا باتجاه أوسلو، نتيجة التخلي العربي عن دعم الثورة الفلسطينية، خاصةً مع نهاية تسعينيات القرن الماضي عقب حرب الخليج الثانية، هذا دفع الفلسطينيين للذهاب إلى المصالحة، عندما تم نفي الشعب الفلسطيني من آخر معاقل دول الجوار، وفُتِّتت ثورته في فيافي العالم العربي".
