أيقنت أن "الإنسان طبيب نفسه" فشُفيت من "كورونا"!
تاريخ النشر : 2020-10-03 14:11

غزة:

تحسب خطواتها البطيئة حين تهمّ بمغادرة غرفتها، بل وتتجنب الاحتكاك بأيٍ من أفراد الأسرة، فالسيدة الستينية سهام البلبيسي (أم محمد) شفيت قبل أسبوعٍ فقط من فايروس "كورونا"، وعادت إلى بيتها بعد قضاء 24 يومًا في المستشفى الأوروبي.

كثيرون أصيبوا بالفيروس، إلا أن تجربة السيدة البلبيسي تبقى مختلفة، فهي تعاني من عدة أمراض منها ارتفاع البوتاسيوم في الكلى، والضغط، والسكري، والروماتيزم، وتتلقى أدوية خاصة بهم منذ منذ 15 عامًا، وتراجع مستشفى الشفاء ثلاث مرات شهريًا.

أم محمد :التجربة لم تكن سهلةً أبدًا، كانت من أصعب الأيام التي عشتها في حياتي

وضعها الصحي المتدهور أصلًا، جعل إصابتها أخطر من إصابة من هو سواها، لكنها تعلق: "الحمدلله شفيت، التجربة لم تكن سهلةً أبدًا، كانت من أصعب الأيام التي عشتها في حياتي".

وإليكم القصة: السيدة التي تسكن حي المشاهرة وسط مدينة غزة (وهي أم لستة أبناء وخمس بنات)، حيث كانت تتعالج في مستشفى الشفاء بمدينة غزة، في الثلث الأول من شهر آب/ أغسطس الماضي، فمكثت هناك مدة ثمانية أيام، رافقتها خلالها اثنتين من بناتها، إحداهم كانت تقضي معها النهار، والثانية تبيت معها ليلًا.

الكثير من الأوجاع عانتها حينها أم محمد نتيجة ارتفاع البوتاسيوم في الكلى، ما شكّل خطورةً كبيرة على صحتها، فأجرت العديد من الفحوصات والتحاليل "التي كانت ابنتها غادة تتابعها ما بين المختبر والأطباء"، ثم غادرت المستشفى، قبل يومٍ واحد من الإعلان عن الإصابة الأولى في قطاع غزة، الذي تجاوزت عدد الإصابات فيه الآن 3000 إصابة.

تقول أم محمد في اتصال هاتفي مع "نوى": "غادرنَا المستشفى يوم الأحد، لكن بعد يومين، شعرت بآلام شديدة في قدميّ ولم أقوَ على السير مطلقًا، أما ابنتي غادة فبدأت تعاني من صداعٍ حاد، وارتفاعٍ شديدٍ في درجة الحرارة، واحمرارٍ في العينين، تغيّر شكلها تمامًا والوضع أقلق إخوتها".

اصطحبها ثلاثة من أشقائها (والحديث لأم محمد) إلى المستشفى، ولما علموا أنها كانت متواجدة داخل قسم الباطنة، طلبوا منهم تركها في المستشفى، إلى حين استيفاء التحاليل اللازمة"، تضيف: "في ليلة الجمعة، اتصلوا ليخبروا العائلة بإصابة غادة بفيروس كورونا، بعد أن تم نقلها إلى مستشفى الصداقة التركي، وطلبوا منا جلب ملابس لها".

حاول الأبناء الابتعاد عن أمهم المريضة ولكن بيّنت الفحوصات إصابتها بالفيروس

هنا انقلب الحال في المنزل الذي كان حتى قبيل ساعاتٍ قليلةٍ هادئًا جدًا، حالة من القلق عاشها الجميع، تم الحجر على المنزل، وسحب عينات من شقيقها التوأم، الذي نقلها إلى المستشفى، وزوجته الحامل التي كانت تساعدها، وتبين إصابتهما، وتم نقلهما أيضًا إلى المستشفى.

حاول الأبناء الابتعاد عن والدتهم خوفًا على صحتها، لكن بعد سحب عينات من كافة المتواجدين في المنزل، تلقَّت العائلة اتصالًا هاتفيًا يخبرهم بإصابة أمهم، وابن شقيقهم أحمد "15 عامًا" الذي كان مرافقًا لجدته طوال الوقت.

تزيد أم محمد: "انقلب الحال أكثر داخل البيت، الأمر ليس بسيطًا خاصةً مع إصابتي بعدة أمراض تجعل الفايروس خطيرًا جدًا عليّ، انتقلتُ مع حفيدي إلى المستشفى الأوروبي، فحالتي لا تسمح بالانتقال لأي مكانٍ آخر، وقد كنتُ في وضعٍ صحيٍ ونفسيٍ سيء".

هناك بدأت أعراض الإصابة بالفايروس تظهر بشكلٍ واضحٍ على السيدة كما ظهرت على حفيدها، لكن بالنسبة لها، كانت مضاعفةً بسبب وضعها الصحي، وضعف مناعتها أصلًا.

أم محمد :عانيتُ من الصداعِ الشديد لدرجة أنني شعرتُ كأن دماغي تنفجر، وأن رأسي بحجم الغرفة، إضافةً إلى آلامٍ حادةٍ في الحلق

تقول: "عانيتُ من الصداعِ الشديد لدرجة أنني شعرتُ كأن دماغي تنفجر، وأن رأسي بحجم الغرفة، إضافةً إلى آلامٍ حادةٍ في الحلق، كان جافًا جدًا لدرجةٍ لا تُطاق، وضاعت حاسة الشم والتذوق فلم تعد بي رغبةٌ في الطعام أبدًا، الأكثر من ذلك الآلام الشديدة في المعدة، لم أشعر بها في حياتي ولا يمكن نسيان ألمها".

تعرف السيدة بوضعها الصحي جيدًا، وبخطورة الفايروس على حياتها، دخلت في وضع نفسيٍ سيءٍ لدرجة أنها رفضت استقبال الاتصالات من أبنائها الذين كانوا يريدون الاطمئنان عليها، رغم أنها في المرات التي أجابت اتصالهم، حاولوا رفع معنوياتها، ولكن الخوف الشديد عليها كان ظاهرًا في صوتهم، كانت تتجرعُ يوميًا كومةً من الأدوية (8 حبات يوميًا، إضافةً إلى ثلاثة إبر).

أم محمد :قلت لنفسي إلى متى سأستمر هكذا؟ يجب أن أقاوم، بدأتُ فعلًا أتقبل الوضع كي أقاوم المرض

تضيف: "بقيتُ على هذا الحال أكثر من أسبوع، ظننت أني أحسب أيامي، ولكن في النهاية قلت لنفسي: إلى متى سأستمر هكذا؟ يجب أن أقاوم، بدأتُ فعلًا أتقبل الوضع كي أقاوم المرض، وأصبحتُ أمضي معظم وقتي في قراءة القرآن والحديث إلى حفيدي، الممرضون والأطباء اهتموا بي بشكل كبير، واعتنوا جدًا بحالتي، وهذا حسّن نفسيتي".

بمرور الوقت بدأت (أم محمد) تشعر بالتحسن، وهذا ساعدها على تجاوز الأزمة، وجود حفيدها إلى جوارها الذي كان يعتني بها بشكل جيد أيضًا جعلها تشعر بالاطمئنان، بدأت تتقبل اتصالات العائلة، ومن ثم طلبت من الأطباء الخروج في ساعة نزهة، وخرجت بالفعل إلى ساحة المستشفى الواسعة، والتقت بالكثير من المريضات والمرضى من مختلف الأعمار.

دعت للجميع بالسلامة، ولكنها حزنت لوجود أطفالٍ بين المصابين، وظلّت تتساءل كلما رأت أحدًا منهم: "كيف تمت إصابتهم؟".

في المستشفى بقيت أم محمد 24 يومًا، وليس 14 يومًا فقط كما جرت العادة، ذلك مراعاةً لوضعها الصحي، لكنها خرجت قبل أسبوعٍ فقطـ، لتجد عائلتها كلها بخير، تنتظر عودتها إليهم سالمة.

تقول بنبرةٍ مفعمة بالفرح: "كانت السعادة عارمة، كلنا عدنا إلى البيت ولم يعد بيننا أي مصاب، الكل كان يريد استضافتي، ولكنني فضلت القدوم إلى بيتي وغرفتي، وفي نفس الوقت، رفضت استقبال أي شخص، أريد أن أكمل حجر نفسي في غرفتي كي يطمئن قلبي على نفسي، وعلى جميع من سأخالطهم فيما بعد".

ووجهت أم محمد نصيحةً لمن يستهترون بفيروس "كورونا" فأردفت: "إن لم يكن بهم خوف على أنفسهم، فليخافوا على أحبائهم، الالتزام يكلفنا بعض الإجراءات، ولكن الاستهتار يكلفنا الأحباب".