فِكرُ نساءٍ يُهان بـ "كومِّنت" مُتنمّر!
تاريخ النشر : 2020-08-20 22:16

فيديو قصير مُسرّب  لإحدى الناشطات في مواقع التواصل الاجتماعي، وهي تنضم بشكلٍ عفوي إلى فرقة الدبكة التي كانت تحيي حفل خطوبتها، تسبب بضجةٍ كبيرة بين جمهور متابعيها.

الغالبية العظمى، انتقدت سلوك الفتاة إذ رأت فيه تمرّدًا على عادات وتقاليد مجتمع غزة المُحافظ، إلا أن الانتقاد تعدّى لغة "ماذا؟ ولماذا؟" الطبيعية، ليتجاوز حدود اللباقة والأدب بـ "التنمر" على الفتاة وشكلها وتصرفاتها، ومشاركة الفيديو تحت عباراتٍ نابية. في المقابل قلة قليلة فقط تحدثت عن أن تصرفها يعد "حرية شخصية"، و"تعبيرًا عن الفرحة في مناسبةٍ تخصُّها" حسب ما جاء في بعض التعليقات.

مثل ذلك حدَثَ مع الناشطة انتصار البطش (المعروفة بتحدثها العربية الفصحى)، يوم نشرت صورًا لحفل تخرجها الذي طلبت أن يقيمه لها والدها على سكة جرافته الكبيرة التي يعمل عليها اعترافًا بفضله، لينالها كيلٌ من "التنمّر" غير بسيط. فما بين انتقادات لاذعة، وردت بعض التعليقات التي كانت تتهمها باللجوء إلى مثل هذه الفكرة للاستعراض، وزيادة أعداد المتابعين أيضًا.

"التنمر" ضد النساء كظاهرةٍ في قطاع غزة، لا يطال فقط ناشطات على مواقع التواصل الاجتماعي، بل يطال كل من تخالف فكر المجتمع التقليدي منهنَّ أيضًا، حتى لو كن من حملة الشهادات العُليا، الناشطات النسويات في مجال حقوق المرأة على سبيل المثال، المتهمات الرئيسيات بتخريب المجتمع كلما صدحن بأصواتهن ينادين بإقرار قانون حماية الأسرة، وتأخير سن الزواج، وتغيير واقع المرأة بما يضمن الحد من تعرضها للعنف المبني على النوع الاجتماعي.

ميسون كحيل صحفية وكاتبة رأي، قررت أن تخرج باسمها الكامل وتتحدث عن ما تتعرض له من تنمر متواصل، من قبل العديد من المتابعين على مواقع التواصل الاجتماعي، على خلفية مقالات تنشرها على صفحتها الشخصية.

تقول: "كلما نشرتُ مقال رأي مخالف لما هو سائد، أو حتى لرؤية توجه بعينه، حتى تنهال التعليقات التي تصب جام غضب أصحابها على صورتي الشخصية، دون الخوض بمضمون المقال".

ما يغضب كحيل أن معظم المتنمرين عليها، لا يملكون رأيًا، وإلا لكانوا ناقشوا بالحجة والإثبات، لكن "لضعفهم وجبنهم يختبئون خلف أسماء وهمية، ثم لا يتوقفون عن التعليق بكل ما يمكن أن يؤذيني كإنسانة بكلمات مثل "شوفي حالك بالمراية" "شوفي "نظاراتك كيف"، "شوفي منظر أسنانك"، وكلها أشياء لا علاقة لها بالمضمون الذي اكتب فيه" تضيف.

تؤكد الصحفية كحيل، أن الأسماء الوهمية لأصحاب التعليقات، تحول بينها وبين تقديم شكاوى بحق كتابها لدى أجهزة الشرطة، "فالأمر تعدى التنمر على الشكل، إلى عباراتٍ كـ "بتستاهلي طلقة في راسك"، ما يعد قانونًا تهديدًا واضحًا وتحريضًا على إنهاء حياة إنسان".

وحسب اعتقادها، فقد أعطت وسائل التواصل الاجتماعي لهؤلاء الأشخاص غطاءً، كي يوجهوا الشتيمة بكل حرية، إذ لا يمكن الوصول إلى هويتهم، "وهو ما يتطلب خلق أدوات جديدة للتعامل معهم تضعهم عند حدود الأدب وأخلاقيات التعامل".

بدورها، ترى ساما عويضة، مديرة مركز الدراسات النسوية في فلسطين، أن "التنمر" بات أحد أشكال العنف المسلط على النساء داخل المجتمع الفلسطيني، على اعتبار أنه من ضمن ميراث المجتمع الذكوري "الذي يبدأ في المنزل، ولا ينتهي في مواقع التواصل الاجتماعي" تقول.

وتستبعد عويضة، أن يكون ارتفاع منسوب التنمر مؤخرًا، مرتبط بانتشار فايروس كورونا المستجد "الذي شكَّل ولا شك زيادة في حدة العنف ضد النساء، حتى وصل الحد ببعض الرجال إلى قتل زوجاتهم وبناتهم خلال العام".

ذلك –حسب عويضة- مردوده لذكورية المجتمع، الذي يعزز تفرد الرجل بالقرار، بينما يضع على المرأة ألف قيد، ملفتةً إلى أن المؤسسات النسوية واصلت خلال العام الحالي، مطالباتها بإقرار قانون حماية الأسرة، التي بدأت في العام 2004م، بعد زيادة حدة العنف، والقتل "ما دعى بعض الجهات، إلى إلصاق التهم للناشطات النسويات المؤيدات للقانون، بأنهن مدفوعات من قبل الغرب لتدمير المجتمع الفلسطيني المحافظ، والتنمر عليهن بألفاظٍ نابية، تجاوزت انتقاد السلوك إلى انتقاد الشكل والصوت وطريقة الحديث".

وعن قانون حماية الأسرة نفسه، تأسف عويضة لأن الحكومة لا تملك إرادة سياسية، وماطلت بإقرار القانون، وما زالت، "حتى أن المسودة التي تم تقديمها لمجلس الوزراء، تتضمن الكثير من التغييرات التي كان متفقًا عليها".

وتردف: "في كل مرةٍ نكرر فيها الحديث عن القانون والمطالبة بتطبيقه، نواجه حملة تنمر جديدة عبر مواقع التواصل الاجتماعي"، مشددةً على ضرورة إقرار قوانين ناظمة، تحفظ حق المرأة في الدفاع عن نفسها، وحمايتها من التعرض للعنف أو التنمر.

وتكمل: "حري بالمؤسسات الحقوقية، العمل على رصد ومتابعة كل قضايا التنمر، لتكون قرينةً داعمة لأهمية إقرار قانون خاص بالتنمر، على مواقع التواصل الاجتماعي".

مركز الدراسات النسوية الذي تديره عويضة، اتخذ قرارًا بتقديم شكاوى ضد أي حالة تنمر يتعرض لها المركز، ومحاسبة صاحبها، واتخاذ الإجراء القانوني المناسب بحقه، وقد تجاوبت النيابة العامة بشكل جدي مع تلك الشكاوى، وتعهدت بمتابعتها.

وتشجع عويضة النساء، ممن تعرضن للتنمر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أيًا كان شكله، بالتقدم بشكاوى رسمية للجهات الشرطية، باعتبارها الطريقة الوحيدة، القادرة على ردع هذه الفئة، وإقناع السلطات الحاكمة بأن هذا الحجم الكبير من التنمر، بحاجة لإقرار قانون يعالج القضية ويحمي النساء.

وترد عويضة على من يظنون أن هذه الردود والتعليقات المسيئة، تعدُّ شكلًا من أشكال حرية التعبير والرأي، بالقول: "لا يمكن أن تكون الإساءة وإيذاء الآخرين نفسيًا، ضمن إطار الحرية المكفولة في أي قانون، أو أي شرع".