غزة:
وكأن مقتل الطفلة آمال الجمالي في بيت والدها في العاشر من تموز/ يوليو الماضي، دقَّ ناقوس الخطر في قلوب الأمهات المحرومات من حضانة أطفالهن، فقررنَ أن لا يسكُتنَ أكثَر، ورفعنَ أصواتهن بالنداء: "نريد أطفالنا معنا".
بلا مناصب ولا ألقاب، اجتمعت نساء فلسطينيات منفصلات من قطاع غزة، على فكرة رفض خسارة أطفالهن لأي سببٍ كان، فشكّلن مجموعةً على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك" بعنوان: "أنا أم وبدي طفلي"، للمطالبة برفع سن الحضانة للجنسين، أسوةً بالنساء الفاقدات اللاتي يحظين بحقهن الكامل في حضانة أطفالهن ما لم يتزوّجن.
"إنشاء المجموعة لم يكن ترفًا، بل تبِعَ مقتل فتاتين لأمَّيْن مطلَّقتين، هما مادلين الجرابعة التي قُتلت بسبب مكالمة مع والدتها، وآمال الجمالي التي قتلت نتيجة التعذيب"، هذا ما تؤكده فداء، وهي إحدى النساء اللاتي انطلقن بالفكرة، قائلةً: "طرق القلق بقوةٍ قلوب الأمهات المحرومات من أطفالهن، لماذا يمكن أن ينتظرن حتى يسمعن أخبار مقتل أبنائهن؟ لماذا قد يصبح طفل الواحدة منهن أو طفلتها نسخة مادلين جديدة، أو آمال أخرى؟".
وتطالب الأمهات المشاركات في المجموعة بشكلٍ رئيس –وفق فداء- بتعديل المادة رقم (٣٩١) من قانون الأحوال الشخصية، التي تنزع حضانة الأم بعد سن ٧ سنوات للولد، و٩ سنوات للبنت، وإيجاد آلياتٍ تضمن سلامة الطفل وأمنه في البيئة الحاضنة، لتجنب سقوط أطفال ضحايا مشاكل الطلاق مجددًا.
وكانت أمهات تعرض أطفالهن للعنف، تواصلن مع ناشطاتٍ لتدشين المجموعة التي تُشكّل بالنسبة لهن بذرةً لـ "لوبي ضاغط"، يسرد معاناتهن ومطالبهن، فإذا بأمهات أخريات يطلبن الانضمام إلى المجموعة التي رأين أن فكرتها نبعت من وجعهن وغضبهن، ليتجاوز عدد المشاركات اليوم 1400 سيدة.
وإلى جانب المطلب الرئيس (تعديل القانون سابق الذكر)، باشرت الأمهات بالمشاركة في ورشات عمل وندوات تثقيفية لرفع أصواتهن، والانضمام إلى أي حراكٍ يمكن أن يكون أقوى من قلوبهن التي تسابق الزمن خشيةً على مصير أطفالهن، وحفاظًا على سلامتهم وصحتهم النفسية والجسدية.
"في المجموعة أنت لست وحدك"، تقول فداء، "فكل النساء يحملن ذات الوجع، وقد شعرن بالقوة والدعم بعد مشاركة تجاربهن وروايتها لبعضهن البعض"، تزيد.
وبعد هذا التقارب على مدار الأشهر الماضية، اتفقن على اتخاذ خطوةٍ ميدانية دافعُها الأول هو "قلب الأم". النساء اللواتي تبادلن منشورات الدعم والمساندة، اتفقن على التظاهر بعيدًا عن أي جسمٍ رسمي، واخترنَ المجلسَ التشريعي لإيصال أصواتهن عبر وقفةٍ تنادي بضرورة رفع سن الحضانة، "فلا أحد أحق بالأطفال ممن حملتهم في بطنها وتغذوا من دمها" حسب تعبير فداء.
السيدة روضة حسنين هي سيدة منفصلة، كانت واحدة ممن شاركن في الوقفة، مطالبة بحضانة أطفالها الثلاثة، "فهم يعانون من عنف لدى والدهم، الذي يهملهم حتى أصبح مستواهم الدراسي متدنيًا جدًا".
تقول السيدة التي ما زالت تحتفظ بحضانة طفلتها الأخيرة البالغة عامين لـ "نوى": "أطفالي الثلاثة – بنتان وذكر- في حضانة والدهم الذي تزوج عدة مرات، ووضعهم سيء جدًا، البنات في الصف الثاني، ولا يعرفون حتى اليوم القراءة والكتابة بشكل جيد، لأنه لم يدخلهم روضة، ولم يهتم بتعليمهم".
وتبدي السيدة خوفًا شديدًا على أطفالها الذين يتعرضون للعنف المستمر، والإهمال الصحي، فهم لا يستحمّون إلا كل 15 يومًا حين تفعل ذلك هي، عندما يزورونها، أما زوجة أبيهم- والقول للأم- فلا تعاملهم كما تعامل أطفالها.
وتضيف: "منذ مارس الماضي، وأنا أطالب بحضانتهم، فخوفي عليهم يدفعني إلى تكريس حياتي من أجلهم، اشتريتُ منزلًا مستقلًا بجوار منزل شقيقي، وأعيش فيه مع طفلتي، وأريد باقي أطفالي معي حفاظًا على صحتهم، فطفلي يعاني من فقر الدم نتيجة سوء التغذية، والبنات يشتكون من تعرضهن للضرب المستمر".
الشابة ميساء طبازة أيضًا، وهي أم لطفلة وحيدة عمرها عامين ما زالت في حضانتها، لكنها شاركت في الوقفة خوفًا من خسارة طفلتها عندما تبلغ من العمر 9 سنوات.
تتساءل ميساء: "تخيلوا أن أربّي طفلتي، وفي الوقت الذي تزداد فيه حاجتها لي أفقد حضانتها! هل هذا عدل؟! هل هذا في صالح الطفلة؟!".
تزوجت ميساء قبل عدة سنوات حين كانت تعمل في وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أنروا"، حينها ظن الزوج أنها موظفة، ولما اكتشف أنها تعمل بموجب عقد مؤقت، باشر بضربها وتعنيفها، ثم طلّقها بشكل تعسفي، دون أن يمنحها أيًا من حقوقها القانونية حتى الآن.
تقول لـ"نوى": "ما زلت أطالب بحقوقي القانونية كاملة، ولكن الأهم بالنسبة لي، هو ضمان مستقبل وصحة وسلامة طفلتي، وهذا كان سببًا كافيًا لأن أكون واحدة من ضمن تكتل نسوي اجتمع على همٍ واحد".
ميساء هي خريجة تخصص مشاكل النطق وعلاج الكلام، وخلال سنوات عملها ضمن العقود المؤقتة، مرّ عليها الكثير من الحالات لأطفال، ترجع مشاكلهم النفسية والصحية، إلى حرمانهم من أمهاتهم.
"لكن لن أقبل أن تعيش ابنتي نفس المصير"، تستدرك ميساء، التي ترى في مطلبها حقًا لا منّة. هي تريد لطفلتها حياة أكثر سلامة وصحة جسدية ونفسية، "فمن أولى بالطفل من أمه؟" تتساءل.
بعد التظاهرة الأولى، تبادلت النساء المشاركات عبارات الثناء، هنا البداية من أجل المطالبة بحماية أطفالهن دون خوف ولا قلق هنا "لوبي" قوته أنه نابع من "قلوب أمهات".





