حبة الأفوكادو التي كان سعيد أبو حليمة يمعن النظر إليها قبل أن يقطفها عن أمُها الشجرة، لم تكن حبة أفوكادو عادية، كانت ثمرة سبع سنواتٍ من التعب المتواصل بعد ما قال إنها "مجازفة" أقدم عليها آنذاك، باختيار مشروع زراعة هذه النبتة في قطاع غزة، معلقًا: "الحمد لله، جهدي لم يذهب هدرًا".
اعتاد أبو حليمة، طوال السنوات التي سبقت زراعته لهذه الفاكهة المميزة، الاعتماد على الزراعة الخضرية، إلا أنه وبمجرد اختيار اسمه ضمن المشاريع الزراعية الممولة من قبل إحدى الجهات المانحة في أعقاب تجريف أرضه خلال عدوان 2009م، قرر تغيير نمط زراعته، وإدخال هذا النوع الذي كان "من ضروب الخيال أن ينجح في غزة".
"لم يكن القرار سهلًا" يعترف الرجل، فمحاولة إثبات أن هذه الأرض صالحة لكل شيء، "حتى ذلك الذي نعتقد أنه مستحيل"، كلفه الكثير، لا سيما وأنه وضع أمام عينيه هدفًا وطنيًا كبيرًا ملخصه: الاستغناء عن استيراد هذه الثمرة من دولة الاحتلال فيما بعد.
يدرك أبو حليمة أن إنتاج قطاع غزة هذا العام من الأفوكادو، لن يكون قادرًا على تغطية استهلاك سكانه، لكنه يستبشر بأن السنوات القادمة قد تحمل المزيد من الإنتاج الناجح، بما يحقق جزءًا من الاكتفاء الذاتي.
180 شجرة موزعة على أربع دونمات في بلدة بيت لاهيا، هي كل ما يمتلكه أبو حليمة، الذي يتوقع أن ينتج 4 أطنان أو يزيد من الثمرة التي تمتاز بسعرها الثابت طوال الموسم.
يقر المزارع أبو حليمة، أن الأمر مجدٍ اقتصاديًا رغم التعب الذي يعتريه في متابعة الشجرة والعناية بها، "إلا أن الزراعة الخضرية مرهقة أكثر ماديًا، كما تتطلب مجهودًا مضاعفًا" يضيف.
ربما وجود أرض أبو حليمة في بلدة بيت لاهية جعلته أكثر حظًا من غيره من المزارعين، إذ تمتاز المياه في تلك المنطقة بالعذوبة المطلوبة لنجاح زراعة الأفوكادو.
يفتخر أبو حليمة، بأن إنتاج قطاع غزة من الأفوكادو يتميز بجودة عالية، مقارنة بما يتم إدخاله إلى أرض القطاع من طرف "إسرائيل" التي تحتفظ بالإنتاج عالي الجودة للتصدير، بينما ترسل لقطاع غزة الفاكهة والخضار من الدرجتين الثانية والثالثة.
ويؤكد مدير زراعة خانيونس م.حسام أبو سعدة لـ "نوى" أن قطاع غزة، بدأَ في إنتاج فاكهة "الأفوكادو"، بعد سنواتٍ من زراعتها ورعايتها، إذ ينتج ما يقارب 2 طن للدونم الواحد، ملفتًا إلى أنه تم زراعة 168 دونمًا في قطاع غزة، بينها 125 دونمًا مثمرة، و43 دونمًا غير مثمرة.
وشرح أبو سعدة العوامل التي تؤثر على زراعة الأفوكادو وجودة إنتاجه، وأهمها درجة عذوبة المياه، "فالمياه المالحة سبب أساسي في فشل زراعته"، ناهيك عن العوامل الجوية -والحديث له- إذ تتأثر الفاكهة بالصقيع، وتحتاج إلى درجة حرارة معتدلة، ونسبة رطوبة مرتفعة.
ويعزو أبو سعدة اختيار مناطق "المواصي" غرب مدينة خانيونس جنوب القطاع، وبلدة بيت لاهيا في شماله لزراعة الأفوكادو، إلى كون المنطقتين تتمتعان بعذوبة المياه التي تضمن نجاح زراعته، ملفتًا إلى أن الأرض يجب أن تكون نظيفة وخالية من كل أمراض التربة.
وتمرُّ زراعة الأفوكادو وفقًا لأبو سعدة بعدة مراحل، بدءًا من اختيار الصنف المناسب للتربة، وتوفر المواصفات الفنية المطلوبة في الشتلة، ناصحًا المزارعين بزراعة أكثر من صنف من نفس النبتة، لضمان عملية التلقيح والإخصاب، بالإضافة إلى استخدام سمادٍ نظيف ومعقم، بالإضافة إلى اعتماد برامج المكافحة المناسبة، والري بمواعيد محددة.
وبالرغم من نجاح هذا الموسم، الذي يعدُّ باكورة إنتاج ثمرة الأفوكادو في غزة، إلا أن أبو سعدة يُقر بأن القطاع، من الصعب أن يصل في الوقت الحالي إلى مرحلة الاستغناء عن الاستيراد من دولة الاحتلال، كون الكميات المنتجة هذا العام، بالكاد تغطي فترة بسيطة من احتياجات واستهلاك المواطنين.
ولفت إلى إمكانية زيادة رقعة زراعة الأفوكادو الذي يُعدُّ من المحاصيل الاستراتيجية، كونه يحتفظ بسعرٍ مرتفع طوال الوقت، ويحقق ربحًا مضمونًا للمزارعين، "لكن بعد أن تبدأ في الإنتاج الفعلي للثمرة، بعد سنوات من زراعتها"، ويبقى الأمر مرهونًا بحل مشكلة ملوحة المياه "وهذا ما تسعى الوزارة إلى تحقيقه خلال الأعوام المقبلة" يضيف
