"سنُّ الحضانة".. فجوةٌ بين مطلقةٍ قاطَعَت الزواج وأرملة!
تاريخ النشر : 2020-08-12 11:07

 غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

تشعر "حنان" بحزن وخوف شديدين مع اقتراب موعد عودة أبنائها إلى والدهم، بعد بلوغهم  العمر الذي يُحدده القانون للحضانة.

تقول "حنان" (اسم مستعار): "طُلِّقتُ قبل ست سنوات لأسباب كثيرة، أهمها سوء المعاملة من قبل زوجي وعائلته، فكثيرًا ما كان يعنفني ويضربني ويشتمني، حاولت الاستمرار حفاظًا على أطفالي، لكن مع استمرار تلك المعاملة قررت الانفصال، والتنازل عن كل حقوقي المادية، وقد سُمح لي آنذاك باحتضان أطفالي الاثنين (صبي عمره ستة أعوام، وبنت عمرها ثمانية أعوام)".

وتضيف بحسرة: "مسلسل العذاب لم ينتهِ، موعد نهاية سن الحضانة يقترب، والأطفال سيعودون إلى حضانة والدهم حسب القانون".

كرست حياتها لأجلهم، وامتنعت عن الزواج حتى تبقى بقربهم، وحرصت على الحصول على عمل لتوفر لهم كافة احتياجهم، رغم ذلك فإنهم سيتركونها قريبًا للعيش مع والدهم.

كلما اقترب الموعد تشعر حنان بغصة وقلق، لقد كرست حياتها لأجلهم، وامتنعت عن الزواج حتى تبقى بقربهم، وحرصت على الحصول على فرصة عمل مناسبة لتوفر لهم كافة احتياجهم، رغم ذلك فإنهم سيتركونها قريبًا للعيش مع والدهم.

وتتحدث حنان بقوة استمدتها من إيمانها بحقها في حضانة أبنائها: "طالما أنني منعت نفسي من الزواج لأجل أطفالي، وأستطيع توفير كل متطلبات حياتهم من عملي، أليس الأجدر أن يبقوا في حضانتي؟"، متسائلة: "من الأكثر تفهمًا وإحساسًا بمشاعرهم؟ من قام بتربيتهم منذ ولادتهم حتى اللحظة؟ أنا أم من لم يسأل عنهم خلال تلك السنوات الماضية إلا مرات معدودة؟ من الأحق بتربية أطفالي أنا أم زوجة أبيهم؟".

تطالب حنان بتعديل القوانين، ومساواة المرأة المطلقة التي امتنعت عن الزواج، بالأرملة فيما يتعلق بموضوع سن الحضانة.

للقاضي أن يأذن بحضانة النساء المطلقات للصغير بعد سبع سنوات إلى تسع، وللصغيرة بعد تسع إلى إحدى عشرة سنة، إذا تبين أن مصلحتهما تقتضي ذلك.

وتنص المادة (118) من قانون حقوق العائلة في حضانة الأولاد على: "للقاضي أن يأذن بحضانة النساء المطلقات للصغير بعد سبع سنوات إلى تسع، وللصغيرة بعد تسع إلى إحدى عشرة سنة، إذا تبين أن مصلحتهما تقتضي ذلك"، في حين تم رفع سن الحضانة للأم الأرملة إلى 18 سنة.

ولم تكن السيدة شيرين محمد، أحسن حالًا من سابقتها، فهي أم لطفل واحد، طًلِّقت قبل عشرة أعوام، وتعاني الآن الأمرين مع تجاوزه سن حضانتها له.

تقول: "لقد نزعت روحي مني عندما قرر القاضي إعطاء طفلي لوالده، فهو من كان يعطي حياتي لونًا وطعمًا، هو سر سعادتي، في كل قصة أسمعها أو أشاهدها من اعتداء لزوجة أب على ابن زوجها، أُصاب بالذعر والخوف من أن يكون –لا قدر الله - طفلي، وأسارع بالاطمئنان عليه".

"ليس هناك أي نص سواء في القرآن أو السنة، يعطي الحق لأي أحد بانتزاع الأبناء من والدتهم، خاصةً تلك التي منعت نفسها عن الزواج لتربيتهم ورعايتهم".

وتتساءل: "كيف للقانون أن ينتزع طفلي مني، وأنا من ضحى بحياته وشبابه من أجل رعايته وتربيته؟"، مؤكدة أنه ليس هناك أي نص سواء في القرآن أو السنة، يعطي الحق لأي أحد بانتزاع الأبناء من والدتهم، خاصةً تلك التي منعت نفسها عن الزواج لتربيتهم ورعايتهم".

وتُلقي شيرين باللوم كله على القوانين والمحاكم، مطالبة بضرورة الإسراع في تعديل القوانين الفلسطينية، ومساواة المرأة المطلقة بالأرملة فيما يتعلق بسن الحضانة، في حال حبست نفسها عن الزواج، ومراعاة مصلحة الأبناء.

هاتان السيدتان، نموذجان من مئات النماذج لسيدات مطلقات، امتنعن عن الزواج وفضّلن رعاية وتربية أبنائهن على الخوض في تجربة زواج جديدة، إلا أنهن اصطدمن بواقع سن الحضانة الذي لا يفرق بينهن –وهن اللاتي وهبن أبنائهن حياتهن- وبين النساء اللاتي قررن بعد الطلاق تأسيس عائلات جديدة برفقة أزواجٍ جدد.

وقد فرق قانون الأحوال الشخصية الأردني لعام 1976م،  في انتهاء الحضانة في حالة كون الحاضنة غير الأم وفي حالة كون الحاضنة الأم، ونصت المادة (161) على أنه :"تنتهي حضانة غير الأم من النساء للصغير إذا أتم التاسعة، وللصغيرة إذا أتمت الحادية عشرة"، أما المادة (162) من نفس القانون، فقد نصت على: "تمتد حضانة الأم التي حبَسَت نفسها على تربية وحضانة أولادها إلى بلوغهم"، دون أن يحدّد سن البلوغ، ولكن  بالاستناد لتعريف سن البلوغ كما ورد في قانون الأحوال الشخصية (مذهب أبي حنيفة النعمان)، فقد نصت المادة (495) على أن "بلوغ الغلام بالاحتلام والإنزال والإحبال، وبلوغ البنت بالحيض والحبل والاحتلام، فإن لم تظهر هذه العلامات يحكم ببلوغهما إذا بلغا من السن خمسة عشرة سنة".

الغنيمي: في عام 2009م، تم رفع سن الحضانة للمرأة الأرملة بحيث تكون الحضانة دائمة، البنت حتى تتزوج، والولد حتى 18 عامًا، وبقي الأمر معلقًا فيما يخص المرأة المطلقة.

بهذا الصدد تقول زينب الغنيمي مديرة مركز الأبحاث والاستشارات القانونية والحماية للمرأة: "سن الحضانة حسب قانون الأحوال الشخصية هو 7 أعوام للذكر تَمدد إلى 9، و9 للأنثى تَمدد إلى 11عامًا، وهذا النص معمولٌ به لكل الأمهات دون أزواج، سواءً كانت أرملة أو مطلقة، ولكن تم تعديل القانون في عام 2009م، ورفع سن الحضانة للمرأة الأرملة بحيث تكون الحضانة دائمة، البنت حتى تتزوج، والولد حتى 18 عامًا، وبقي الأمر معلقًا فيما يخص المرأة المطلقة".

وتضيف: "إن قضية سن الحضانة في القوانين شأنها شأن باقي الموضوعات المتعلقة بقضايا الأسرة،  تقوم على أساس التمييز الواضح ما بين الرجل والمرأة، حيث أنها جاءت في سياق تاريخي واقتصادي واجتماعي منذ عقود طويلة، وفي إطار المضمون الذكوري، الذي ينظر للمرأة بدونية بسبب جنسها على أنها تابعة للرجل، ويُنظر لها باعتبارها مجرّد خادمة للصغار حتى يبلغوا السن الذي  يستطيعون فيه خدمة أنفسهم، ممّا وضع سلة الحقوق الخاصة بها في الدرجة الأدنى من حقوق الرجل".

وتُبين الغنيمي أن هذه القوانين تجاهلت دور المرأة كشريكة أساسية للرجل في بناء الأسرة والمجتمع، كما تتناقض مع ما كفلته التشريعات الوطنية، وفي مقدمتها القانون الأساسي لقاعدة عدم التمييز على أساس الجنس.

وتؤكد أن السعي لتغيير القوانين النافذة في فلسطين بشأن الأحوال الشخصية، وإنشاء قانون موحّد يضمن العدالة الاجتماعية يساوي المرأة بالرجل في الحقوق والواجبات، هو ضرورة موضوعية تتفق ومستوى التقدم المتحقق على صعيد الوعي بأهمية دور الأسرة، ودور المرأة الأساسي في عملية الرعاية والتربية والعمل والشراكة السياسية.

"نظرًا لواقع الانقسام السياسي الراهن، وتعطيل دور المجلس التشريعي، والظروف الموضوعية القائمة في قطاع غزة، فإنه من الصعوبة بمكان الوصول لقانونٍ موحّد".

وتوضح الغنيمي أنه نظرًا لواقع الانقسام السياسي الراهن، وتعطيل دور المجلس التشريعي، والظروف الموضوعية القائمة في قطاع غزة، فإنه من الصعوبة بمكان الوصول لقانونٍ موحّد، "لذلك فإننا نسعى في المدى المنظور، من أجل رفع سن الحضانة للأم المطلقة، حتى يصل الصغار إلى سن 18 سنة، إمّا بتعديلات قانونية، أو قرارات إدارية تصدر عن ديوان القضاء الشرعي" تضيف.

وتشير إلى أن هناك بعض المآخذ على قوانين الأحوال الشخصية السارية، أبرزها، أن كلا القانونين الساريين في قطاع غزة والضفة الغربية نظّما موضوع الحضانة عند انتهاء العلاقة الزوجية، من منطلق التمييز الواضح ضد المرأة، على اعتبار أن وظيفة الأم هي الأعمال الخدمية، وعليه حدّدت القوانين سقف سن الحضانة للأم، دون الأخذ في الاعتبار الوظيفة التربوية لها، وعدم الأخذ بالمصلحة الفضلى للطفل.

وتتابع: "كما يؤخذ على قوانين الأحوال الشخصية، وجود اختلاف على تحديد السن بالنسبة للأم المطلقة التي حبست نفسها عن الزواج، حيث حدد قانون حقوق العائلة سن انتهاء الحضانة بتحديد السن (9 للصبي-11 للفتاة)، بينما القانون الأردني ربطها بسن البلوغ دون تحديد السن، ولم تُعالج القوانين قيمة نفقة المحضون ومسكن الصغير، مما يترك للقاضي تقدير وضع الأب الاقتصادي، بما يشكل من اعتداءً على حقوق الأطفال المحضونين، ويفتح المجال واسعًا أما استخدام الأطفال في الصراع بين الأبوين المطلقين".

وعلى المستوى التطبيقي فإن التمييز القائم ضد المرأة في المجتمع، يتجاوز القانون، حيث يجرى نزع حضانة الأولاد من أمهم وهم في سن الحضانة المكفول بالقانون، وغالبًا ما يلجأ الأهل لإجبار المرأة على التنازل عن حضانة أبنائها، ونقلهم إلى الأب مباشرةً في تجاوزٍ لتسلسل حق الطفل بالرعاية من قبل النساء حسب القانون.

"المصلحة الفضلى للصغير والصغيرة هي أن يكونوا تحت كفالة ورعاية وتربية الطرف الأقدر على حضانتهم ورعايتهم وغالبًا ما تكون الأم".

وحول الأسباب الموجبة للتعديل تقول الغنيمي: "المصلحة الفضلى للصغير والصغيرة هي أن يكونوا تحت كفالة ورعاية وتربية الطرف الأقدر على حضانتهم ورعايتهم وغالبًا ما تكون الأم، بشرط أن يتشارك معها الأب في الرعاية والتربية"، مؤكدةً على ضرورة توحيد سن الحضانة للصغير والصغيرة حتى سن الأهلية القانونية (18) سنة.

ودعت الغنيمي إلى ضرورة حماية حق الأم المطلقة التي تكرس نفسها لرعاية وحضانة أبنائها، وتمنع نفسها عن الزواج في سبيلهم، في الوقت الذي يبدأ فيه طليقها بتكوين أسرة جديدة.

من جهته يؤكد الشيخ الدكتور حسن الجوجو رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي بغزة على أهمية رفع سن حضانة الأم المطلقة لأطفالها حتى 15 عامًا لكلا الجنسين، "مع جواز تمديدها للقاضي حتى سن 18 عامًا، أسوةً بالقانون الأردني، مادة (173) الذي ينص على استمرار حضانة الأم إلى أن يتم المحضون 15 عامًا، ولغير الأم إلى أن يتم المحضون 10 أعوام، كما يعطى حق الاختيار للمحضون بعد بلوغه السن المحددة، للبقاء في كنف الأم الحاضنة حتى بلوغه سن الرشد".

وأشار الجوجو إلى حديثٍ عن الرسول صل الله عليه وسلم، يؤيد أن تبقى المطلقة مع ابنها ما لم تتزوج، نصه (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ "امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ بَطْنِي لَهُ وِعَاءً، وَثَدْيِي لَهُ سِقَاءً، وَحِجْرِي لَهُ حِوَاءً، وَإِنَّ أَبَاهُ طَلَّقَنِي وَأَرَادَ أَنْ يَنْزِعَهُ مِنِّي، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ، مَا لَمْ تَنْكِحِي" رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ

د.الجوجو: "لقد ناضلنا مع المجلس التشريعي لرفع سن حضانة الأطفال للمرأة الأرملة التي حبست نفسها عن الزواج، وتمكنا من الحصول على قانون الحضانة المفتوحة للجنسين الذكر والأنثى".

ويعقب: "لقد ناضلنا مع المجلس التشريعي لرفع سن حضانة الأطفال للمرأة الأرملة التي حبست نفسها عن الزواج، وتمكنا من الحصول على قانون الحضانة المفتوحة للجنسين الذكر والأنثى، أما فيما يتعلق بالمرأة المطلقة فهناك فرق بينهما، هو أن الأرملة زوجها متوفى وليس لديها رجل، في حين أن المطلقة زوجها موجود، وهو ما جعل المجلس التشريعي لا يوافق حتى اللحظة على مساواة المرأة المطلقة بالأرملة".

ويشير إلى ضرورة أن يصدر هذا التعديل القانوني عن المجلس التشريعي، "لذا فمن المهم الضغط لإقرار التعديلات المطلوبة الخاصة برفع سن الحضانة، فالأحكام لا بد وأن تتغير بتغير الأزمان، مع ضرورة وجود قانون يجمع بين الأصالة والمعاصرة"