يجلس قاسم العمور في صدر المبنى المشيّد منذ عام 1949م من حجر "الحثان" الذي كان يتميز به قطاع غزة آن ذاك. يرتدي الزي الفلسطيني القديم، الحطة والقمباز، في محاولةٍ لاستحضار التاريخ القديم بكل تفاصيله.
يقول بفخر بينما تنشغل يداه بتجهيز القهوة العربية: "عامٌ بأكمله استغرقَته عملية ترميم هذه البايكة، التي بناها جدّي بعد هجرته القسرية إلى قطاع غزة من أراضينا المحتلة عام 1948م".
والبايكة كما يروي العمور الذي وُلد وترعرع في بلدة الفخاري جنوب قطاع غزة، عبارة عن مبنى كبير مكون من بهو وعدة غرف ومخزن للغلة الزراعية وأحواش للبهائم، هذا بالنسبة لأبناء عشيرته من البدو، "لكن القرويين كانوا يستخدمونها للسكن فقط" يستدرك.

لم يتبقَّ من بايكة جد قاسم سوى 80 مترًا من أصل ثلاثمئة متر كاملة، أصابتها عوامل التعرية، يقول: "كنتُ أصاب بالإحباط، وأنا أرى البايكة تنهار شيئًا فشيئًا أمام ناظرَي، إلى أن جاءتني فكرة ترميمها، وإعادة قيمتها التاريخية كجزء أساسي من تراثنا وهويتنا الوطنية، لتكون شاهدًا حيًا أمام أكاذيب الاحتلال الإسرائيلي، وشهود الزور الذين يحاولون طمس الحقيقة التي تقول إننا أصحاب حق في الأرض".
يؤمن قاسم العمور الذي يعمل مدرسًا ومتخصصًا في علم المكتبات، بأن واجب الجيل الحالي هو الحفاظ على هذا التاريخ والتراث، وتسليمه للأجيال القادمة.
يزين العمور البايكة بصورةٍ لجده تتصدر المكان، بينما وزّع ممتلكاته بين الزوايا المختلفة بطريقةٍ فنية تضفي على المكان جمالًا ورونقًا: سيف جده الذي صُنع في العام 1920م، والبارودة، وبكرج القهوة.
في زاويةٍ أخرى وضَع العمور خَرج الجمل والفرَس، بينما اهتمَّ بإضفاء لمسةٍ ثقافية وطنية على البايكة بانتقاء مجموعةٍ من الكتب التاريخية والسياسية، ووضعها في مكان مخصص داخل الجدار كان يطلق عليه اسم (الطلاقة) وهو فراغٌ داخل الجدار يشبه الرفوف.
يضيف: "أردتُ أن أجعل المكان أشبه بمكتبة تاريخية، تحمل في ثنايا جدرانها زادًا من المعرفة بتاريخ القضية لكل من يرتاد المكان، فزوَّدتُها بكتبٍ حول تاريخ فلسطين والقضية، ليكون الكتاب رفيقًا للزوار ممن يرتادون المكان".
رغم أن البايكة بوضعها الجديد بعد أعمال الترميم لفتت أنظار الكثيرين باعتبارها محاولة لربط الإنسان بجذوره، إلا أن أي جهة رسمية لم تولِ العمل أي اهتمام، لكن العمور يؤكد أنه لا ينتظر دعمًا أو مساعدةً من أحد، لكنه يبدي أسفًا كبيرًا على حالة الإهمال التي تطال الأماكن والمباني الأثرية في القطاع، لافتًا إلى أنه من واجب كل مواطن في فلسطين الحفاظ على كل حجر وأثر.
يعتقد العمور أن فجوةً كبيرةً تقفُ عائقًا بين المواطن وإرثه الوطني والتاريخي، "والخلل يكمن في كل المؤسسات المختصة بالتعليم كما الأسرة التي من واجبها أن تكون الحاضنة الرئيسية لتنشئة الطفل وتعزيز انتمائه للوطن" يعقب.

يطمح العمور إلى أن تتحول البايكة إلى ملتقى ثقافي يعمل على تعزيز الوعي لدى الشباب الفلسطيني، في ظل اللامبالاة من قبل الجهات الرسمية، وافتقار بلدة الفخاري لمكتبات عامة وملتقيات شبابية فاعلة، تعمق الانتماء للوطن وتحافظ على الهوية الفلسطينية، في ظل كل محاولات الطمس والتزوير من قبل الاحتلال الإسرائيلي.
