"أبناء البلد".. "عزوة" المشاريع الصغيرة بغزة
تاريخ النشر : 2020-08-08 09:26

غزة:

في ركن قَصيٍّ من ميناء غزة غرب المدينة، وحين بدأت شمس الخميس تنسحب تدريجيًا بخيوطها الذهبية، ومع تسلل حُمرة الشفق، أوقف أبو مريم البوجي عربته التي تحتوي فرنًا صغيرًا، وثلجًا، والكثير من قطع المخبوزات، لتلبية طلبات العشرات من الشابات والشبان، الذين حضروا إلى المكان خصيصًا، تلبيةً لمبادرة أبناء البلد.

أبو مريم وزوجته وبناتهما الستة، افتتحوا مشروعًا منزليًا أسموه "البنات الستة" لإنتاج البيتزا وخبز التاميس وغيرها من المعجّنات التي تشهد رواجًا في قطاع غزة. المشروع البسيط وجودة ما يقدمه أصحابه، دفع عددًا من المبادرين والمبادرات إلى دعمهم وعددٍ آخر من المشاريع الصغيرة، عبر مبادرة أطلقوا عليها اسم "أبناء البلد".

تتلخص المبادرة كما يُحدِّث منسقها الناشط المجتمعي مرعي بشير "نوى" بنشاطٍ اسمه "عازم ومعزوم"، بما معناه، أن يتم التوافق على مشروعٍ صغيرٍ معين فيدعو إليه كل مبادر خمسةً من أصدقائه على نفقته الخاصة، بشرط أن يتحول المدعو منهم في الأسبوع اللاحق إلى داعي "عازم" لخمسةٍ آخرين، وهكذا يتوالي الطلب على أصحاب المشروع.

الفكرة لاقت رواجًا كبيرًا، إذ تمت الدعوة من خلال صفحةٍ باسم "أبناء البلد" على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك"، العشرات سارعوا لتذوّق بيتزا وتاميس البنات الستة، اللواتي تقاسمن العمل مع والدهن، وهو ما حظي باستحسان الجمهور الذين أثنوا على روح التعاون بين الأب وبناته.

الناشطة انتصار مجدي كانت واحدةً ممن لبّوا الدعوة، وكانت هي "العازِمة" هذه المرة، تقول: "المشاريع الصغيرة بحاجة إلى دعمٍ مجتمعي من قبل فئة الشباب، الذين أعتقد أنهم سيُقبلون على منتجاتها بسبب أسعارها المعقولة، فبيتزا بتكلفة 4 شواقل/ دولار وبعض السنتات، هي بكل تأكيد مناسبة للجميع".

وتضيف:"فرصة أيضًا لتشجيع الأيدي العاملة المحلية، ولتوجيه رسالةٍ للخريجين المتعطّلين عن العمل، بأن يبحثوا عن مشاريع مدرّة للدخل، بعيدًا عن انتظار فرصة توظيف قد لا تأتي أبدًا في ظل ظروف اقتصادية معقّدة يشهدها قطاع غزة".

في قطاع غزة المحاصر من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 2006م، ارتفعت نسبة الفقر إلى 65%، بينما زادت نسبة البطالة عن النصف، وهو ما جعل إمكانية الحصول على فرصة عمل صعبة جدًا، وباتت المشاريع الفردية خيارًا لا مفر منه.

وبالعودة إلى صاحب المبادرة ومنسقها مرعي بشير، الذي سبق وطبّق ذات الفكرة في مدينة رفح جنوب قطاع غزة، إبّان افتتاح الشابة فاطمة الزطمة مشروع البوظة اليدوية "ولاقت حينها رواجًا كبيرًا"، يقول: "مع حالة الركود الاقتصادي في قطاع غزة، وبروز بعض المشاريع الشبابية الصغيرة، من المهم أن يكون هناك جهد لتحسين حصة السوق، وفي ذات الوقت تعزيز فكرة العطاء المجتمعي بشكل إيجابي، ودعم النماذج الإيجابية وطاقات الشباب "الجدعة" الذين لم يستسلموا لظروف الفقر والبطالة وقلة فرص العمل".

في بداية الفكرة وفقًا لمرعي، كانت المبادرة أشبه بما أسماه "فزعة"، أي لمرة واحدة مع انطلاق أي مشروع صغير لشاب أو شابة، ولكن التوجه الجديد تطور ليشمل تخصيص كل يوم خميس، لدعم مشروع صغير عبر الشراء مباشرةً ودعوة الآخرين للشراء.

وتتركز المبادرة التي انطلقت عبر "فيس بوك" في مسارين، الأول: وهو المتعلق بمشاريع قابلة للدعم المباشر بهذا الشكل، مثل مشاريع التاميس والقهوة والبوظة والذرة وغيرها، أما الثاني: فهو يخص المشاريع التي لا تساعد طبيعتها على دعوة الأصدقاء مثل المكتبات والكوافير وغيرها، "وهنا يكون الدعم من خلال تشجيع الأصدقاء على التوجه لهذه المشاريع عبر المساعدة في الترويج لها" يتابع بشير.

الجميل في الأمر كما يؤكد مرعي، أن هناك شبان من خارج قطاع غزة شاركوا في "عزومة" أصدقاء لهم داخل القطاع على نفقتهم الخاصة، أما التطور الإيجابي في المشروع فهو تشكيل "عزوة" في كل محافظة من محافظات قطاع غزة الخمس، مهمتها دعم مشاريع من المحافظة نفسها وذلك من أجل توزيع الجهد بشكل سليم.

غادر مرعي الميناء وانطلق إلى محافظة رفح جنوبًا، حيث كانت مجموعة أخرى من المبادرين معهم ينفذون ذات المبادرة، لدعم مشروع الشابة فاطمة الزطمة، اما هنا في الميناء، فلم يجد أبو مريم المنشغل في خبز المعجّنات الوقت الكافي للحديث سوى قوله: "لجأتُ إلى هذا المشروع لتجاوز مشكلة البطالة".

بعجالةٍ أخبر الرجل "نوى" بأنه استثمر دراجة نارية كانت بحوزته، حين وضع عليها فرنًا صغيرًا من تصمميه، لتكون مخبزًا متنقلًا، بينما احتوت في أدراجها السفلة على مكونات المخبوزات مع الثلج الذي يحفظها من التلف.

قبل خمس سنوات، عاد أبو مريم من السعودية حيث كان يعيش ويعمل في مجال السياحة من أجل زيارةٍ عائلية، ومع إغلاق معبر رفح البري حينها فقدت العائلة الإقامة، واضطرت للبقاء هنا بعد أن فقد ربها فرصة عمله.

استثمر أبو مريم وقته في العمل "ديلفري"، أي توصيل الطلبات، لكن بمرور الوقت فكر وعائلته في مشروع مختلف، لقد قرر أن يوظف خبرته في العمل بقطاع السياحة، وقدرته على الطهي، والطاقة الإيجابية لبناته الستة من أجل تنفيذ المشروع، فبينما يقتصر دوره على الخبز ووضع الخلطات، تتقاسم البنات الست باقي المهمات كلها.

الابنة الكُبرى، مريم (14 عامًا)، قالت لـ "نوى": "أنا فخورة جدًا بمشروعنا، وبدوري الذي يقوم على توزيع الطلبات على الزبائن، أنا التي أتواصل معهم وأساعد والدي في وضع الطلبيات داخل الأكياس الخاصة بها".

ويبدو أن المشروع فتح لها المجال لتحبّ مهنة الطهي، بحيث تطمح لأن تصبح مستقبلًا شيف مشهورة، وهي تراها مهنة جميلة لمن يحبها.

شقيقتها رؤى (10 سنوات)، ولدى سؤالها عن دورها، ردت: "كاشير"، ثم أكملت بثقة بينما كانت تنشغل في المحاسبة :"بعرف طلب كل زبون، وبكتبه على ورقة، وبعمل الحسبة، وبعطيه الفكة، وبعطي والدي ورقة الطلبية".

وتجزم الطفلة أن العمل ليس صعبًا أبدًا، فالعمليات الحسابية بسيطة، وهي تجيدها حتى لو كانت الطلبية كبيرة، بينما بات التحدّث إلى الناس بالنسبة إليها أمرًا عاديًا "يتطلب اللباقة" على حد تعبيرها، وهذا ما وجدت أنه يحظى باحترام وحب الناس وإعجابهم أيضًا.

أم مريم بدورها، أثنت على المبادرات المجتمعية الداعمة للمشاريع الصغيرة، "فهذا الكم من الحضور خلال يومٍ واحد، حقق دخلًا جيدًا للمشروع، بالإضافة إلى أنه بات أكثر شهرة، في ظل أن غالبية من حضروا اليوم شاركوا بمنشورات على صفحاتهم على فيس بوك" تضيف أم مريم، وتكمل بفرحة: "حقًا.. هكذا يكون الدعم".