التعليم عن بعد.. "العدالة الرقمية" في زمن "كورونا"
تاريخ النشر : 2020-06-01 21:24

"الوضع التعليمي في فلسطين استثنائي، هذه البقعة من الأرض تخرج من أزمة فتدخل في أخرى، ما يجعل انتظام العملية التعليمية ضربًا من ضروب الخيال.. كان يجب على المؤسسات التعليمية إعداد خطة طوارئ حقيقية مسبقة، قابلة للتطبيق في حال حدوث أي أزمة، لكن هذا ما لم تبادر به أي مؤسسة، ما جعل التعامل مع أزمة "كورونا" منساقًا للاجتهادات الشخصية".
على هذا أجمع باحثون وأكاديميون  وقفوا على  طبيعة التعليم عن بعد منذ إعلان حالة الطوارئ مطلع آذار/ مارس الماضي، كيف تعاطى معه المعلمون؟ وما تقييم المراقبين لدرجة نزاهته؟ هذا ما سنعرفه في سياق هذا التقرير:
الباحث والأكاديمي د.سامي غنيم، قال: "النزاهة في التعليم عن بعد لا تتعلق بالطالب وحده أو المدرس وحده، إنما بالعملية الأكاديمية كاملة (..) كان يقع على المؤسسة التعليمية توفير اللوجستيات اللازمة لإتمام التعليم عن بعد، وتسهيل التواصل بين المدرس والطالب في ظل الجائحة، في الوقت الذي وجد فيه كثيرون منهم أنفسهم مرغمين على التعامل مع تفاصيل التكنلوجيا".
وأورد مجموعة من الإشكاليات اللي واجهها الطلبة والمدرسون على حد سواء، "وعلى رأسها نظام الموديل الذي لم يكن مصممًا بطريقة تمكنه من استقبال هذا العدد الضخم من الطلبة، الذي أثبت فشله منذ البداية، مما اضطر المحاضرين إلى اتباع وسائل بديلة، لا تخضع للرقابة، الأمر الذي وضع الجامعات أمام تحدي البحث عن تطبيقات وتقنيات أكثر جَودة.
يعلق: "الكثير من المحاضرين لم يكونوا مؤهلين للتعامل مع الموديل وتعلموا التعاطي معه بشكل ذاتي، مما جعلهم يجهلون الكثير من خصائص الموديل الأمر الذي أثر على ضمانات النزاهة".
اتفق معه الأكاديمي د.سامي أبو شمالة في نقطة "سهوة الوقوف على خطة طوارئ مسبقة، قابلة للتطبيق في أوقات الأزمات"، ملفتًا إلى أن طبيعة المجتمعات العربية ترفض التغيير المفاجئ، وكان من الصعوبة أن تتقبل التغيير الجذري في المنظومة التعليمية بسبب جائحة كورونا.
يقول لـ "نوى": "كان الحديث ينصبُّ حول جاهزية منظومة التعليم، لكن الحقيقة أن العمل عن بعد  فعليًا بدأ بدون أي جاهزية أو خطة، أنا كأكاديمي مثلًا، لم أُدعَ للمشاركة في أي ورشة لوضع خطة تعليمية في مواجهة كورونا، ولم أسمع عن ورشة مماثلة تم تنظيمها من قبل أي جهة أكاديمية أو وزارية".
وعدَّ أبو شمالة "حالة الرفض" الأولية، من الطلاب في بداية الأمر طبيعية  لأنهم وجدوا أنفسهم  فجأة في مواجهة إشكاليات لها علاقة بضعف الإنترنت وانقطاع الكهرباء وسقوط الموديل، إلا أنه استدرك: "في ذات الوقت، الجامعات تفاوتت في مستوى الأداء بمواجهة كورونا، بعض الجامعات ألزمت المحاضرين على حضور الورشات التدريبية للتعامل مع برامج  التعليم عن بعد، في حين أن جامعات أخرى راهنت على مقدرة الكادر الأكاديمي على التعلم الذاتي.
وتابع: "في مسألة النزاهة، كان من المفترض أن يُستحدث مكتبٌ للنزاهة الـأكاديمية، مع تعريف الطالب بحقوقه وواجباته، وترسيخ مفاهيم النزاهة الأكاديمية لدى الطلاب والعاملين في المؤسسة التعليمية"، معربًا عن استغرابه من كون المناهج لم تتغير وفقًا لتغير النظام التعليمي، رغم أن بيئة الدراسة أيضًا اختلفت كليًا.
ويعتقد أبو شمالة، أن النزاهة في العملية التعليمية عن بعد، يمكن ضمانها بإلزام الطالب بالتوقيع على تعهدٍ بمعرفته معايير "النزاهة والشفافية"، مع تدرجٍ في الإجراءات العقابية للمخالفين للوصول لتعديل السلوك تدريجيًا.
ويزيد: "لا يقل عن ذلك أهمية، سن قوانين حول حقوق الطالب وواجباته، ونشر سجل  للإجراءات التأديبية، الحديث عن المغالطات الأكاديمية، وتوفير قنوات شكاوى للطلاب".
وتحدث أبو شمالة عن توفير رقابة في ظل تسجيل المحاضرات، وتطبيق برامج تكشف مدى الالتزام بالنزاهة، ونسبة الاقتباس في الأبحاث، وبرامج أخرى تجبر الطالب على مشاهدة المحاضرة المسجلة كاملة، مبينًا أنه من الصعب ضمان "العدالة الرقمية" مهما كانت أدوات التقييم حذرة، الأمر الذي حذا بالجامعات لإلغاء موضوع الدرجات وحصره في النجاح والرسوب، موضحًا أن الجامعات  حرصت على الإفصاح عن السياسات المتبعة.
وحسب الباحث والأكاديمي د.طلال أبو ركبة، فإن جائحة كورونا كشفت هشاشة الأنظمة التعليمية الموجودة، التي لم تستفد من التجارب السابقة، "إذ تم الذهاب للتعليم عن بعد بدون تخطيط مسبق، وعدم وجود خطط بديلة للتعامل مع الأزمات" يقول.
ورغم قناعة أبو ركبة أن التعليم عن بعد "قادم لا محالة كنظام تعليمي بديل عن التقليدي"، إلا أنه يطرح عدة تساؤلات حول مدى استعداد فلسطين كدولة لاتباعه، هل سيكون سعر الساعة للتعليم النظامي ذاتها في التعليم الرقمي؟ هل جهزت المناهج بما بتناسب مع فكرة التعليم الرقمي؟ وإلى أي مدى سيتناسب المحتى التعليمي المقدم مع الأدوات المستخدمة؟
ويؤيد د.عماد أبو رحمة من مؤسسة الدراسات الفلسطينية "مسارات" سابقيه، حول ما أوردوه عن "عنصر المفاجأة" الذي رافق التحول للتعليم الرقمي، "بدون أي تخطيط أو تهيئة"، متسائلًا: "هل تم تنفيذ دورات تدريب للمحاضرين حول التطبيقات والأدوات المستحدثة للتعامل مع الأزمة؟ وهل هناك رقابة على كيفية إجراء الأبحاث، وكيف يتم رصد درجات على أبحاث لم يتعلموا كيفية إعدادها؟".
وشدد أبو رحمة على أهمية  تكييف المادة والمحتوى بما يتناسب مع نظام التعليم الجديد، لافتًا إلى أن بعض المحاضرين اعتمدوا على وسائل تقليدية وبدائية، قائلًا: "تجربة  كورونا فرضت علينا وضع خطط وسياسات وطنية تدعم خطط التعليم الإلكتروني بالإمكانات المتاحة (..) لكن من المهم خفض الرسوم، كي تتناسب مع ما تقدمه الجامعات في ظل التعليم الإلكتروني".
ويعتقد د.ماجد تربان  رئيس قسم الإعلام في جامعة الأقصى بغزة، أن الوضع الطارئ ألزم الجامعات بالتوجه نحو التعليم الرقمي "لكننا بحاجة لوقت للتقييم، إذ  لا تخلو الأدوات البديلة من الإشكاليات المتمثلة في ضعف الإنترنت والانقطاع المتكرر للكهرباء" يعلق.
ويقول: "من المهم تقييم التجربة بعد انتهاء الأزمة، خاصة أن بعض التخصصات لا تقبل التعليم الرقمي".
من جانبه، يرى د.غسان أبو حطب من جامعة "بيرزيت" أننا لا يمكن أن نضع كل الجامعات في سلة واحدة، إذ أن بعض الجامعات استثمرت في هذا التعليم، وجهزت نفسها، "وهناك جامعات كان كل همها تحصيل الرسوم"، مؤكدًا أن التعليم الفلسطيني يواجه تحديًا كبيرًا اليوم، وهو مطالب بتعزيز بيئة  النزاهة قبل انتهاء الأزمة".
وفيما يتعلق بالعدالة الرقمية، شدد أبو حطب على صعوبة تحقيقها في  وقتٍ لا يملك فيه عدد كبير من الطلبة أجهزة كمبيوتر، "فهناك من يتمكن من الوصول عبر هذه التقنيات، وهناك من لا يستطيع الوصول، وهذا خلق حالةً من عدم المساواة".
وكان أكاديميون مشاركون في لقاءٍ نظمه الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة "أمان" عبر تقنية "زووم"، بإدارة منسقة الرصد والأبحاث في أمان -الإعلامية هداية شمعون، أوردوا مجموعةً من التساؤلات حول نزاهة التعليم عن بعد، فيما أكدت شمعون "ضرورة وضعه تحت مجهر البحث لتحديد مدى التزامه بمعايير العدالة والشفافية".
وذكرت أنه خلال متابعات "أمان" وردت العديد من الشكاوى من الطلاب، والأكاديميين، وكل من له علاقة بالتعليم الجامعي على حد سواء، بينما أكد المدير التنفيذي للائتلاف مجدي أبو زيد ما أسلفه ضيوف التقرير جميعًا، حول الصدمة التي سببتها الجائحة على كافة الصعد، وانعدام التخطيط المسبق، "مع غياب كامل للتفاصيل حول  كيفية إدارة العملية الأكاديمية".
يعلق: "جائحة كورونا دفعتنا لتطوير مصطلحات جديدة  مثل نزاهة المواطن، الذي أصبحت عليه مسؤولية أخلاقية تجاه نفسه ومجتمعه وكل المحيطين به، من خلال التزامه بمعايير الأمانة والعدل في تأدية واجباته المنوطة به عن بعد، دون رقابة وجاهية مباشرة، وهذا بالضبط ما نتحدث عنه في سياق كورونا و(التعليم عن بعد).