غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
كانت شبكة "نوى" التابعة لمؤسسة "فلسطينيات"، نشرت بتاريخ السابع عشر من تشرين أول/ أكتوبر لعام 2019م، تحقيقًا صحفيًا بعنوان (قطع أثرية مبعثرة في أيدي "مجموعات خاصة")، تساءلت فيه عن الأحقية القانونية التي تسمح لـ "مجموعات خاصة" في قطاع غزة باقتناء الآثار، والتجاوزات التي تحدث بحق التاريخ الفلسطيني على أيدي بعض أفرادها، وعن السبب الذي يمنع وزارة السياحة والآثار من إنشاء متحفٍ وطني بغزة يحفظ تاريخها ومقتنيات أجدادها.
بدأ التحقيق وهذا رابطه: (https://www.nawa.ps/ar/post/42765) بسرد مضمونه من مدينة "خان يونس" جنوب قطاع غزة، حيث يمكن أن تصل بسهولة بالغة إلى متحف وليد العقاد، الذي يفصل بينه وبين باب البيت ممرٌ بُعثرت فيه القطع الأثرية مختلفة الأحجام والأحقاب، ينتهي إلى غرفةٍ مساحتها لا تتجاوز أربعة أمتارٍ، تكتظ فيه القطع الأثرية بشكل عشوائي، منها قطع كثيره تعود للعصور الكنعانية، والفرعونية، والبرونزية، ومنها بعض المقتنيات لشخصيات تاريخية وسياسية!
العقاد الذي جمع خلال 35 عامًا زُهاء (2800) قطعة أثرية بمجهوده الشخصي، تحدث عن أمله في أن تتبنى جهةً فلسطينية رسمية، فكرة إقامة متحف وطني في المدينة، لينقل إليه كل ما يملكه من آثار .
العقاد الذي جمع خلال 35 عامًا زُهاء (2800) قطعة أثرية بمجهوده الشخصي، تحدث عن أمله في أن تتبنى جهةً فلسطينية رسمية، فكرة إقامة متحف وطني في المدينة، لينقل إليه كل ما يملكه من آثار .
على بعد شارعين من بيت العقاد، انتقلت معدة التقرير إلى متحفٍ آخر في نفس المدينة يحوي عشرات القطع الأثرية، وهو لصاحبه مروان شهوان، وسردت تفاصيل الموجودات فيه، ثم مرّت بمتحفٍ خاص لصاحبه منير الكباريتي (وهو هاوٍ لجمع القطع الأثرية أيضًا)، افتتحه داحل أحد المنتجعات على شاطئ البحر، حتى حطت رحالها في منطقة شمال قطاع غزة، حيث فندق المتحف، الذي يجمع فيه صاحبه جودت الخضري عشرات القطع الأثرية، ويحتفظ بها هناك .
اليوم مرّ على نشر التقرير سبعة أشهر، فماذا عساه غيّر على أرض الواقع؟ في هذا التقرير تتابع "نوى" تفاصيل القضية، ومستجداتها، لا سيما فيما يتعلق بالقرارات التي اتخذها المسؤولون للحفاظ على تاريخ البلاد.
لا قانون
لم يصل التحقيق سابق الذكر والنشر، إلى تعريفٍ قانوني واضح يعطي المجموعات الخاصة الحق في اقتناء هذه القطع، فيما أوردت معدته بأن القانون المعمول به فيما يتعلق بالآثار وتناقدلها وتداولها، يعود إلى أيام الانتداب البريطاني، "وقد وضع لخدمة المشروع الاستعماري بالدرجة الأولى، ولم يكن ضمن أهدافه المحافظة على القطع الأثرية من السرقة أو التجارة".
كل ما كانت تفعله وزارة السياحة بخصوص القطع الأثرية لدى أصحاب هذه المجموعات، هو وسمها ووضع إشارات عليها حتى تمنع مقتنيها من بيعها أو التصرف فيها.
وأكد التحقيق عدم وجود قانونٍ مستحدث، يسمح للأفراد بجمع عشرات القطع، فيما لم يستطع أن يقف على دور واضح لوزارة السياحة في الحفاظ على هذه القطع وجمعها، إذ إن كل ما كانت تفعله بخصوصها هو وسمها ووضع إشارات عليها حتى تمنع مقتنيها من بيعها أو التصرف فيها على حد تعبير مسؤوليها.
نتائج التحقيق أشارت إلى وجود عشرات القطع التي خرجت من قطاع غزة منذ عام 2006م ولم تعد حتى تاريخ النشر المذكور في المقدمة، وهنا نعاود السؤال: بأي حق يقتني الأفراد قطعًا أثريةً، بل ويضعونها في متاحف خاصة بهم داخل بيوتهم؟! وماذا عن دور وزارة السياحة- مرةً أخرى؟
محاولات تهريب
د.جمال أبو ريدة مدير الإدارة العامة للآثار في وزارة السياحة، أجاب لدى سؤاله عن أي تطورات يمكن أن تكون قد حدثت بخصوص إنشاء متحفٍ وطني لجمع الآثار المتناثرة في بيوت هذه المجموعات، باستنكار الاتهامات المتتالية للوزارة بالتقصير، وتأكيده على أنها (الوزارة) تعمل جاهدةً من أجل السيطرة على عمل المجموعات الخاصة، وملاحقة تلك التي تخالف القوانين الموضوعة من قبلها.
أبو ريدة: لقد لاحقت الوزارة أكثر من 10 أشخاص من أصحاب المجموعات الخاصة منذ بداية العام.
واستشهد أبو ريدة بما حدث الشهر الماضي، حين صادرت الوزارة 5000 قطعة أثرية، من أحد أصحاب المجموعات الخاصة، الذي ثبتت نيته ببيعها وتهريبها إلى الخارج، قائلًا: "هذا الشخص قام بأعمال تهريب وبيع مسبقة، خاصة للعملات النقدية النادرة في القطاع (..) لقد لاحقت الوزارة أكثر من عشرة أشخاص من أصحاب المجموعات الخاصة منذ بداية العام، خاصةً ممن تجاوزوا شروط المحافظة على القطع الأثرية".
لكن السؤال الأساسي في تقرير التتبع هذا هو: أليس إعطاء هذه المجموعات الخاصة الفرصة لاقتناء القطع، هو الذي يفتح المجال لحدوث تهريب أو بيع من قبل أصحابها؟ يبرر أبو ريدة ذلك بقوله: "تعمل الوزارة بأقل المجهودات، خمسون موظفًا فقط، وهي تؤدي ما عليها من الواجب وزيادة، ما بين متابعة مهربي القطع الأثرية وملاحقتهم".
ويتابع: "بعض هذه المجموعة الخاصة أمثال وليد العقاد ومروان شهوان وجودت الخضري، جميعهم يعملون ويقتنون القطع من قبل وجود وزارة السياحة أصلًا، والوزارة تعرف عدد القطع بأكملها، وقد حصرتها مسبقًا، وتضمن التزام هذه المجموعات بالحفاظ على هذه القطع، حتى تتمكن الوزارة من إنشاء متحف وطني للحفاظ على القطع الأثرية".
وعن عدم قدرة الوزارة على إنشاء متحفٍ وطني حتى اللحظة، يكمل: "الوزارة كغيرها من الوزارات، ترفع المشاريع للممولين في الخارج، فتظل رهينة أجندتهم ومزاجيتهم في التمويل"، منبهًا إلى أن الوزارة حصلت خلال العامين الماضيين على مبلغ مليوني دولار، لأعمال صيانة وترميم".
ويتمم: "تكلفة هذه الصيانة مرتفعة جدًا، فهي بمواصفات خاصة، وتحتاج إلى مختصين لإتمامها، وحتى الآن لا يوجد استجابة من قبل أي ممول، رغم الوعودات الكثيرة لبناء متحف وطني في غزة".
إمكانيات موجوة
وفي مقابلة معه علق ناصر اليافاوي المختص بقضايا الآثار، تعقيبًا على ما قاله أبو ريدة بهذا التساؤل: "لقد زرت معظم الدول العربية والأوربية، لكن لماذا لا توجد هذه الظاهرة سوى في قطاع غزة؟"، مضيفًا: "هناك 10 متاحف خاصة، أعتقد أنها متاحف عائلية، ومعظمها يقع في المنطقة الوسطى وجنوب قطاع غزة، لقد زرت متحفين في خان يونس، وآخر في دير البلح، وأذهلني أن الحضارة الفلسطينية، التي تحاكي كل الحقبات التاريخية، وعنوان الإنسان الفلسطيني، كلها موجودة في بيوت عائلات، ومنها ما هو في "قبو تحت الأرض""
يتابع: "الصراع التاريخي بيننا وبين الاحتلال، هو صراعٌ لإثبات هذه الأحقية التاريخية، ومن أراد أن يثبت عمر فلسطين، لابد أن يكون لديه مجمع للآثار والتراث الوطني، وأنا أرى أن هناك إمكانيات، هناك ملايين الدولارات ترعى مشاريع خاصة لها علاقة بأطر حزبية ومشاريع تجارية، كيف لا تستطيع رعاية إنشاء متحف وطني".
اليافاوي: وفد نرويجي، جاء لزيارة متحف شهوان في غزة قبل وقت، وقد ذهل من حجم القطع الموجودة فيه دون حراسة، والتي يمتلكها شخص دون أحقية قانونية.
ينبه اليافاوي إلى أن وفدًا نرويجيًا، جاء لزيارة متحف شهوان في غزة قبل وقت، وقد ذهل من حجم القطع الموجودة فيه دون حراسة، والتي يمتلكها شخص دون أحقية قانونية، متسائلًا: "في ظل وجود مؤسسات ترفيهية وتجارية كبيرة في غزة، كيف لا يمكن للحكومة أن تقوم ببناء متحف وطني؟!".
ويشير إلى أن وزارة السياحة، تحتاج إلى قوةٍ تحميها وتعطيها أولوية بناء المتحف، لافتا إلى أن هناك مجهودات خاصة مقدرة للعناية ببعض الأماكن التاريخية، مثل "بيت سيتي"، و"حمام السمرا"، و"الكنائس القديمة" التي تعدُّ الأولى في التاريخ، والموجودة في غزة، معقبًا: "تحتاج هذه الأماكن الأثرية إلى إعلام العالم بوجود بوصلة سياحية في غزة، ليساندها في مطالبة "إسرائيل" بإعادة الآثار التي سرقتها من قطاع غزة، على يد اللص موسى ديان".
وعود فرنسية
وفي تطورٍ لافت ضمن هذه المتابعة، أكد وليد العقاد أكبر مقتني الآثار تحت إشراف وزارة السياحة في قطاع غزة، والذي يعود إليه اكتشاف آثارٍ تعود للعصرين الكنعاني والبرونزي، أن وفدًا فرنسيًا زاره مؤخرًا للاطلاع على الخرائط والمخططات، المعدة لبناء المتحف الوطني، الذي كان تبرع لأجل بنائه بقطعة أرضٍ من ماله الخاص، وفرزها من أجل هذا الغرض، لجمع كل هذه القطع الأثرية فيه.
ولفت العقاد إلى التعاون الكبير بينه وبين وزارة السياحة، التي تحصر القطع الأثرية بين الوقت والآخر، للتأكد من حالها، مؤكدًا استعداده لتسليم هذه القطع لوزارة السياحة، في حال بناء المتحف، كونه يعدُّ هذه القطع هي ملكٌ لكل فلسطيني –كما يعبر.

