أقلام صحافيات غزة تحت سيف "الرقابة الذاتية"
تاريخ النشر : 2020-05-03 20:55

غزة:

"لا حريات ولا حماية، درعُنا الوحيد هو مهنيتنا ومعلوماتنا الصادقة، وإيماننا برسالة هذه المهنة السامية"، بهذه العبارة، لخّصت الصحفية إسلام الأسطل واقع حرية الصحافة في فلسطين، مبرقةً التحية لكل من اختاروا أن يكونوا جنودًا في بلاط صاحبة الجلالة.

في اليوم العالمي لحرية الصحافة الذي يوافق الثالث من آيار/مايو من كل عام، تعاني فلسطين بشكلٍ مزدوج من انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي الذي يعتقل في سجونه 12 صحفية وصحفي، وانتهاكات الجهات الحكومية لحرية الرأي والتعبير وحق الحصول على المعلومة.

تؤكد الأسطل أنها ارتضت بالدور المنوط بها كصحفية تتكلم بلسان المواطن لا بلسان الحكومة، قائلةً: "لا يمكن الحديث عن صحافة حرة ما دمنا نحتكم إلى رقابة ذاتية تجاه ما نكتب، مساحة الحرية محدود لا يُسمح بتجاوزها إلا لبعض الصحافيين المعروف إنتاجهم مسبقًا، من أجل ذر الرماد في العيون، ومحاولة إثبات أن الحكومة تكفل حرية الرأي والتعبير".

الأسطل: كيف يمكننا الحديث عن حرية صحافة ما دام هناك من تعتقلهم الحكومة أو تستدعيهم على خلفية عملهم الصحفي؟

وتتساءل: "كيف يمكننا الحديث عن حرية صحافة ما دام هناك من تعتقلهم الحكومة أو تستدعيهم على خلفية عملهم الصحفي؟".

وتطرقت الأسطل إلى تقريرٍ كانت أعدته قبل فترةٍ عن الأوضاع في مراكز الحجر الصحي بغزة، إذ لم تتعاون معها الجهات المختصة في توفير المعلومة، كما تمت مهاجمتها بعد النشر واتهامها بأنها من أصحاب الأجندات المحسوبة على طرفٍ بعينه "كون تقريرها ينتقد إجراءات حكومية، وهذا سيؤذيها مبدئيًا" وفقًا لما أخبرها به صديقٌ محسوبٌ على حكومة غزة.

غياب قانون حق الحصول على المعلومات إذن، وضيق صدر الحكومات بما تقوله الصحافة في بلادنا، لعلها أبرز الأسباب التي جعلت فلسطين، تقف عند الرقم (137) في حرية التعبير والصحافة، وفق مؤشر منظمة مراسلون بلا حدود لعام 2020م، من بين 180 دولة.

كريزم: الصحافيات اللواتي يعملن بشكل حر، تضررن بشكل كبير في ظل حالة الطوارئ، فهن بقين بلا عمل

أما الصحافيات اللواتي يعملن بشكل حر، أي "لا يتبعن وسيلةً إعلاميةً محددة"، فلهن أضعاف هذا التعب، رغم ما يبذلنه من جهد لإيصال "صوت الناس"، حتى في ظل أزمة كورونا وحالة الطوارئ كنَّ رسلًا للتوعية ونقل المعلومات الطبية من مصادرها.

تقول الصحافية هبة كريزم: "في الوقت الحالي قضايا كورونا هي الأكثر تداولًا، لكن بما أننا لا نتبع لجهة يمكن أن تخضع عملنا لمعايير الصحة والسلامة، لم نستطع أن نجاري الحدث، كوننا بقينا في بيوتنا".

كريزم ترى أنها وزميلاتها من الصحافيات اللواتي يعملن بشكل حر، تضررن بشكل كبير في ظل حالة الطوارئ، فهن بقين بلا عمل، وهذه أزمةٌ تضاف إلى حالة البطالة الموجودة أصلًا.

وتشير إحصائية صادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، إلى أن نسبة العاملات في قطاع الإعلام من النساء فقط 21%، وهذا يعني أن نسبة البطالة وعدد العاملات بنمط القطعة مرتفعٌ جدًا.

"الكتابة بحرية!! ماذا؟ هذا حق لا أتمتع فيه بشكل كافٍ للأسف" تقول كريزم، تعقيبًا على سؤالٍ حول الحق بحرية التعبير، "فكثيرًا ما تسبب المجتمع نفسه في تقييد قدرة الصحفي على الكلام أو الكتابة في مواضيع معينة، خشية تعرضه للهجوم والتنمر" تضيف.

المشكلة مزدوجة كما تراها كريزم، فلا قوانين كافية للحماية، ولا حتى بيئة صحفية حامية، "لا نقابة صحافيين، ولا أطر صحفية ولا حتى مؤسسات"، "من سيحمي الصحفيات إذن؟" تتساءل باستنكار.

صافيناز اللوح، صحفية تعمل في موقع "أمد" للإعلام، تعرّضت خلال العامين الماضيين للإصابة من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي أكثر من مرة، لكن أصعبها كانت تلك الإصابة التي تسببت بقطع أوتار إصبع يدها اليسر، ما تسبب في عدم قدرتها على تحريكه حتى الآن، لكنها ما زالت تشكو أنها لم تتلق العلاج المناسب، لغياب الجهة التي يمكن أن تساندها.

اللوح :تعرّضت للمنع من التصوير في تجمعات تجارية "مولات" من قِبل أصحابها الذين تخوّفوا من فضح أمر عدم اتخاذهم ما يكفي من إجراءات السلامة والوقاية

تقول لـ "نوى": "إن الصحافيات يواصلن العمل لنقل رسالة شعبنا في قطاع غزة، لكن سقف الحريات هنا ليس كما هو مأمول، حتى عند الكتابة عن قضايا داخلية، نتعرض للملاحقة والاستدعاء من قبل الأمن، وهذا يجعلنا نتراجع عن كثيرٍ مما نكتب، كي لا نتعرض لما تعرّض له زملاؤنا".

وتكمل :"على صفحتي الشخصية في موقع فيس بوك، أكتب ما أريد، ولكن في الموقع الذي أعمل فيه لا، هناك خوف من ملاحقة الحكومة بغزة"، مضيفة: "سبق وتمت مراجعتي من قبل الأمن على خلفية تقارير نُشِرت على الموقع".

أما في أزمة "كورونا" فالوضع بات أصعب، فهي نفسها تعرّضت لمشكلة المنع من التصوير في تجمعات تجارية "مولات" من قِبل أصحابها الذين تخوّفوا من نشر الصور، وفضح أمر عدم اتخاذهم ما يكفي من إجراءات السلامة والوقاية.

الصحافيات الفلسطينيات، فخوراتٌ بمهنتهن، صامدات في وجه متاعبها، يبرقن التحية في هذا اليوم لكل زملاء وزميلات المهنة، ويرفعن أصواتهن عاليةً بنداء "نطمح لحريةٍ حدودها السماء، يكفلها قانونٌ يناسب هذا العصر، حريةٍ تنقل الصحافة الفلسطينية من واقع التبعية الفكرية، والخضوع لتابوهات الأمن والمجتمع، إلى واقعٍ منفتحٍ على الجميع، لا يحكمها فيه سوى القانون وأخلاق الرسالة السامية.