عمال غزة.. أرزاقٌ تحت رَحَى "كورونا"!
تاريخ النشر : 2020-05-01 15:24
صورة أرشيفية لامرأة عاملة

غزة:

تجاهد العاملة فريال محمد من بلدة بيت لاهيا شمال قطاع غزة، كي تجد متسعًا من الوقت لكل هذا: أعمال المنزل، وتعليم الأبناء الخاضعين للحجر وفقًا لإعلان حالة الطوارئ، وإعداد طلبيات الزبائن من المنتجات الغذائية اليدوية. لقد أربكت "كورونا" حياتها، تمامًا كما باقي عمال وعاملات قطاع غزة.

السيدة الأربعينية (وهي أم لأربعة أبناء) تعبت من تجربة التعليم الإلكتروني "حديث العهد في غزة"، بالإضافة إلى سوء خدمة الإنترنت، التي تضطرها إلى بعثرة الوقت في انتظار تحميل الصفحات ومقاطع الفيديو، واقتطاعه من وقت عملها الذي تحصل منه على رزق عيالها. أحد أولادها علق متهكمًا: "التعليم الإلكتروني زاد ملل الحجر أضعافًا".

منذ الخامس من شهر آذار/ مارس الماضي، يخضع الفلسطينيون للحجر الصحي، التزامًا بإعلان الرئيس الفلسطيني محمود عباس حالة الطوارئ، ذلك عقب ظهور إصابات بفايروس كورونا المستجد (كوفيد- 19).

ويزور عمال فلسطين هذا العام "يومهم"، الذي يوافق مطلع آيار/مايو من كل عام، وهم –كما جرت العادة- ليسوا على أفضل حال. هذا العام خسر عدد كبيرٌ منهم عمله بسبب الجائحة، وانضموا إلى نسبة 65% من الفلسطينيين يعيشون تحت خط الفقر.

فريال: وضعنا كعاملات في قطاع غزة صعبٌ حتى قبل كورونا، بحكم حالة الفقر ، لكنني وقتذاك كنت أبيع وأشتري وألبّي طلبات الزبائن

ووفق إحصائيةٍ للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فإن عدد العمال (نساءً ورجالًا) في فلسطين، تجاوز المليون، منهم 616 ألفًا في الضفة الغربية، و261 ألفًا في قطاع غزة، غالبيتهم يعملون مقابل الحد الأدنى للأجور.

بالعودة إلى السيدة فريال، المكنّاة أم محمد فتقول: "وضعنا كعاملات في قطاع غزة صعبٌ حتى قبل كورونا، بحكم حالة الفقر الكبيرة هنا، لكنني وقتذاك كنت أبيع وأشتري وألبّي طلبات الزبائن، وأكفي مصروف أسرتي"، تستدرك بأسى: "لكن وبفعل تبعات جائحة كورونا، وحالة الحجر الصحي، الذي أضيف إلى العقبات الأخرى وعلى رأسها الفقر، تعقّدت الأمور أكثر".

تعمل أم محمد في مطبخٍ ضمن مشروعٍ تعاوني بجمعية "بنت الريف" التعاونية، تتشارك فيه مجموعة من النساء في مقر بلدية بيت لاهيا، يوزعن إنتاجهن اليومي على بعض المحلات وعدد من الزبائن والمدارس والمؤسسات، "ولكن الآن كل هذا توقّف" تعقب.

بحزنٍ تردف: "في مثل هذا الوقت من كل عام تتراكم علينا الطلبيات، يوميًا كنا نصل بطلبياتنا إلى المدارس المغلقة اليوم، أنا المعيلة الوحيدة لأسرتي، أكبر أبنائي في الثانوية العامة، وعليّ واجب الإنفاق على التعليم، ورعاية البيت، وكل هذا يرافقه ضغطٌ نفسيٌ شديدٌ، خاصةً أن الكثير من الزبائن، لم يعودوا -منذ أكثر من شهرين- يطلبون شيئًا".

وزير العمل الفلسطيني أحمد مجدلاني، أعلن مؤخرًا رزمةَ مساعداتٍ للعمال الذين تأثروا بجائحة كورونا، بالتسجيل عبر رابطٍ إلكتروني، ليشمل 35 ألف عاملة وعامل.

أم محمد سجلت اسمها كما غيرها، ولكنها ما زالت تنتظر أي رد، تكمل: "أجزم بأن الأمل ضعيفٌ في ظل العدد الهائل من المسجلين والمسجلات".

التتر: واقع العمال بات أكثر صعوبة، رغم أمنياتهم في كل عام بأن يكون وضعهم في العام القادم أفضل

الحال لا يختلف كثيرًا بالنسبة للعامل محمد التتر، الذي كان يوفر احتياجات أسرته المكوّنة من زوجة وثلاث بنات، من خلال عمله على بسطةٍ لبيع الجوالات وإكسسوراته.

في يوم العمال، يرى التتر أن واقع العمال بات أكثر صعوبة، رغم أمنياتهم في كل عام بأن يكون وضعهم في العام القادم أفضل، قائلًا: "يبدو أن الوضع هنا لا يمكن أن يتحسن للأفضل".

يسكن الشاب حي النصر شمال غرب مدينة غزة، ويعاني أوضاعًا اقتصاديةً صعبة، زادت من تفاقمها على أصحاب البسطات جائحة "كورونا"، يضيف محمد: "الدخل أصلًا كان قليلًا، وبصعوبةٍ كنتُ أتدبر أمور عائلتي"، معربًا عن أمله في أن لا يستمر وضع الركود طويلًا "فموسم الأعياد فيه حركة بيع كبيرة، وأنا لا أرغب في ضياع هذه الفرصة التي توفر لي دخلًا، أفضل من باقي شهور السنة".

ويكمل: "في يوم العمال أقول: هذا هو واقعنا من سيء لأسوأ، سجلتُ في رابط وزارة العمل وبانتظار النتيجة، لكنني أظن أن المؤسسات الوطنية الرسمية يجب أن تبحث في احتياجاتنا خلال فترة الطوارئ بشكل أفضل"، متابعًا بحرقة: "لكم أن تتخيلوا الحالة النفسية لأي أب، عندما تطلب منه ابنته الصغيرة شيئًا بسيطًا فلا يستطيع توفيره".

الكيلاني:الفقر واستمرار الحصار والانقسام، تسببت في ضعف الوضع الاقتصادي للنساء، فما بالنا عند وجود جائحة؟

"جائحة كورونا أضرّت بالعاملات كثيرًا، لا سيما صاحبات المشاريع الصغيرة والريفيات" هذا ما أكدته مديرة جمعية بنت الريف التعاونية خديجة الكيلاني، التي قالت في حديثها لـ "نوى": "حالة الفقر واستمرار الحصار والانقسام، تسببت في ضعف الوضع الاقتصادي للنساء، فما بالنا عند وجود جائحة؟ بالتأكيد سيتراجع البيع والطلب وعدد الزبائن".

السيدات اللواتي كُنَّ يبعنَ منتجاتهن في السوق، تأثرنَ الآن سلبًا، ناهيك عن الضغوط النفسية الهائلة عليهن، الناتجة عن متطلبات البيت في ظل جلوس الجميع، وتزايد المسؤوليات على عاتقهن.

"هذا غير حالة التصادم المستمرة بين الأبناء الذين كانوا يغيبون على الأقل خمس ساعات في المدارس، ومسؤوليات البيت من ترتيب وطبخ، كل هذا ملقى على كاهل المرأة العاملة"، تعلق الكيلاني في شرحها لتراكم الضغوط على النساء العاملات اليوم، بالإضافة إلى قلة الطلب على منتجاتهن، أو خدماتهن.

وتزيد: "ما يزيد الوضع تعقيدًا كون هذا الواقع بلا أفق، لا ندري إلى متى ستستمر حالة الإغلاق هذه؟"، ملفتةً إلى أن مطبخ بنت الريف مثلًا كان يُشَغّلُ 25 عاملة، أما الآن فاقتصر على 8 عاملاتٍ فقط، بسبب قلة الطلب.

تطالب الكيلاني بضرورة أن تشمل إجراءات وزارة العمل، إنقاذ الوضع الاقتصادي للعاملات الفلسطينيات، لا سيما وأنهن بقين معيلات لأسرهن سنواتٍ طويلة، "والآن هناك الكثير من المتضررات ممن لا تلتفت لهن الجهات الرسمية" تضيف.

النقابية تهاني الجمل، أبرقت بدورها بالتحية للعاملات والعمال الفلسطينيين في يومهم العالمي، "الذين تأتي هذه المناسبة عليهم في ظل أزمة انتشار كورونا، والتزامهم الحجر البيتي، الذي أثّر على حياتهم وإنتاجهم ووضعهم الأسري، والاجتماعي، والاقتصادي، لا سيما عمال الأراضي المحتلة عام 1948م، ممن تعرضوا للإصابة وفقدوا مصدر دخلهم" تقول.

الجمل: العمال من أولى الفئات بالمساعدة في ظل فقدانهم مصادر رزقهم، وجلوسهم في بيوتهم في ظل الجائحة، ناهيك عن الحصار الإسرائيلي المستمر منذ 13 عامًا،

وأضافت مسؤولة الإعلام والعلاقات العامة في الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين: "إننا في شهر رمضان الذي تزداد فيه المصروفات والمتطلبات، وسيتلوه العيد، والعمال في أمس الحاجة إلى من يقف بجانبهم في ظل هذه الأزمة، هم مثلنا جميعًا يسعون إلى رسم البسمة على وجوه أطفالهم بالكساء والحلوى"، مشددة على أنهم (العمال) اليوم، من أولى الفئات بالمساعدة في ظل فقدانهم مصادر رزقهم، وجلوسهم في بيوتهم في ظل الجائحة، ناهيك عن الحصار الإسرائيلي المستمر منذ 13 عامًا، الذي دفع ثمنه العمال أولًا بفقدان مئات الآلاف من فرص العمل.

"صحيح أنهم تأقلموا مع عمل المياومة (والحديث للجمل) إلا أن الكثيرن منهم، يعملون الآن في مهنٍ ليست لهم، مثلًا نجد نجارًا يعمل سائق تاكسي، أو خريجًا جامعيًا يعمل في مجال البناء والإنشاءات".

المساعدة التي أقرتها وزارة العمل لعمال فلسطين، وقيمتها (500) شيكل، خطوةٌ جيدة في سبيل تعويضهم بعضًا من رزقهم الذي طحنته رحى كورونا، لكن الاحتياجات أكبر من ذلك بكثير.

معظم العمال اليوم يفتقدون على أقل تقدير، تلك المساعدت الصحية التي نصت عليها منظمة الصحة العالمية لمواجهة الوباء، يفتقدون طرود الغذاء، والدواء، لا سيما أرباب الأسر منهم، الذين يسأل أحدهم نفسه ألف مرةٍ في اليوم: إلى أي مدى يمكنني أن أصمد في وجه نظراتِ أطفالي.. وكورونا؟