"فانوس رمضان" لن يضيئ منزل المعلمة "فاتن"
تاريخ النشر : 2020-04-16 20:20

النصيرات:

للفقد إحساسٌ موجع، وهنا في منزل عائلة المعلمة فاتن أبو معلا القريب من مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، ثمة تفاصيلٌ تخلع القلب وتُدمي العيون، يعيشها أبناء وزوج أحدث ضحايا الحريق الهائل الذي اندلع في الخامس من آذار/ مارس الماضي.

الانفجار الضخم الذي اندلع في مخبزٍ آلي وسط سوق مدينة النصيرات، المجاور للمخيم، تسبب بوفاة 9 مواطنين/ات احتراقًا، وإصابة مئة إنسان بحروقٍ ما بين متوسطة وحرجة.

الوفيات توالت خلال الأيام التي لحقت بيوم الحريق، حتى بلغ عدد الضحايا 25 ضحية، كانت آخرهم المعلمة الأربعينية "فاتن" التي استشهدت بعد 24 يومًا متأثرة بإصابتها، تاركة خلفها خمسة أبناء.

"كان ذلك اليوم عاديًا جدًا، أمي التي تعمل معلمة فيزياء في إحدى المدارس الحكومية القريبة، كانت تشارك في معرضٍ علمي بالمدرسة، سعيدةً بإنجازها"، هكذا بدأت الابنة الكبرى أسيل (22 عامًا) رسم ملامح ذلك اليوم لـ "نوى"، قبل أن تغرق في دوامة بكاء.

تدرس أسيل تخصص اللغة العربية، وهي متدربةٌ في مدرسة والدتها ذاتها، هذا جعلها تلازمها معظم الوقت في الآونة الأخيرة، وتستفيد من نصائحها في موادها التربوية، لا سيما وأن خبرتها تمتد إلى 23 عامًا في حقل التعليم.

وتقول: "يومذاك، كانت معنا أختي الصغيرة ملاك ابنة الصف الرابع، وكنا نستعد للذهاب إلى السوق للتبضع بعد أن حصّلت والدتي راتبها الذي لا يتعدى 40% من قيمته الأصلية، لكنها طلبت مني –وبدون إبداء أسباب- أخذ أختي والعودة للمنزل، قالت"سأذهب إلى السوق وحدي، لن أتأخر".

كل شيء بدا عاديًا، حتى أن أسيل اتصلت بأمها لتذكرها بأحد المستلزمات "كي لا تنساها"، فأجابتها "لن أتأخر"، بعدها انقلب كل شيءٍ رأسًا على عقب، وبدأت الأنباء تصل "حريق هائل وإصابات في السوق".

لا صورة أكثر وجعًا من أفراد عائلة كاملة، يهيمون على وجوههم صوب السوق حيث والدتهم التي انقطع الاتصال بها فجأة، كل واحد منهم كان يُمنّي نفسه بالوصول إليها أولًا، صرخت أسيل بعلو صوتها حين وصلت المكان "وين ماما؟ وين ماما؟"، لم يجب أحد، لا شبكة اتصالات تعمل، ولا القدرة على توقّع مكانها بين الدخان كانت ممكنة.

أسيل، ومحمد (19 عامًا)، وريماس (15 عامًا)، وسجى (13 عامًا)، وملاك أيضًا، كلهم باتوا الآن بلا أم، أيتامًا يمسحون رؤوس بعضهم

الإصابات تم نقلها إلى مستشفى شهداء الأقصى بمدينة دير البلح وسط القطاع، أما الخطيرة منها فإلى قسم الحروق بمستشفى الشفاء بمدينة غزة، "إذن الوضع خطير"، بلا وعيٍ سابق أفراد العائلة الريح للوصول إلى "الشفاء" لكنهم هناك وجدوا جسدًا غير الذي عرفوه.

"نعم كانت محترقة وجاحظة العينين، مصدومة، شكَكتُ في البداية أنها لا ترانا، وأخذتُ بالصراخ"، ولكنها ردّت بصوتٍ واضح "أنا منيحة"، لكنها لم تكن "منيحة" على الإطلاق، كان وضعها غير مطمئنٍ أبدًا"، تضيف أسيل.

في بيتها الاسبستي شديد التواضع والبساطة، غرب النصيرات، تفوح ملامح الحزن من كل زاوية، أسيل تحتضن أختها ملاك (10 سنوات)، وتحاول كفكفة دموعها، إذ بات عليها الآن لعب دور الأم، وهي تتساءل إن كان بوسعها ذلك!

أسيل، ومحمد (19 عامًا)، وريماس (15 عامًا)، وسجى (13 عامًا)، وملاك أيضًا، كلهم باتوا الآن بلا أم، أيتامًا يمسحون رؤوس بعضهم، بعد أن كانت ربّة البيت فاتن، تمسح على رؤوسهم قبل النوم لتخبرهم أنها معهم، وأن الغد سيكون لهم بكل تأكيد.

كانت صحتها تتحسن وكبر في قلوبنا الأمل إنها تطلع

هنا تدخّل والدهم الذي ما زالت ملامح الصدمة جلية في صوته المضطرب المتقطّع، ومشاعر التكذيب لكل ما حدث واضحة في نظرات عينيه التائهة: "كانت صحتها تتحسن وكبر في قلوبنا الأمل إنها تطلع"، يرفع كفيه ويتابع :"بيدي هاتين أمسكتُها وساعدتُها على المشي، كانت تتألم ولكنها مشت".

انتكاسة حالتها بشكل سريعٍ شكّلت صدمةً للعائلة، كيف سيمر رمضان على زوجٍ اعتاد قبل الشهر الفضيل بأيام، الخروج برفقة زوجته، وشراء حاجيات الشهر، وبعض الزينة البسيطة التي تخلق في قلوب أبنائهما الفرح؟

يعلق: بأقل الإمكانيات كنا نفرح، فاتن كانت هي مصدر الفرح والأمان للبيت، جوهرة البيت رحلت وتركتنا كلنا نحاول ابتلاع الغصة، نحاول أن نسند بعضنا كي نعوّض خسارتنا لها"، ثم يطرق باكيًا ويعقّب: "صعب، صعب".

عاش الرجل الأربعيني حياته يتيم الأم منذ كان في الرابعة من عمره، ورغم أنه لا يذكر أمه، إلا أنه عاش مرارة هذا الشعور، حتى أنه كان يكره "عيد الأم"، ولما كبُر وتزوج وأنجب وأصبح ربّ أسرة، لازمه شعور فقد أمه من جديد.

عاود البكاء، وأكمل بصوت متقطع: "عشت طول عمري مع إحساس الفقد، كنت خايف يروح مني حد عزيز عليا، كنت أخاف عليها وعلى الأولاد يطلعوا من الدار، لو طلع حد فيهم فورًا اتصل أسأل وينكم؟ ما كنت أطمّن إلا وأنا معها ومعهم، واللي عشت خايف منه صار".

يجول الرجل بناظريه في غرف بيته ذات الأثاث البسيط، ويهمس بعد تنهيدة: "كم كانت فاتن تتمنى غرفة نوم مدهونة، كانت تتمنى ترميم جدران غرفة أولادها، بيتنا كله بحاجة إلى إعادة إعمار لأنه قديم، حتى أمنيتها البسيطة هذه، ماتت دون أن تحققها".

والدة فاتن أم محمد لم تتوقف لحظةً عن البكاء، فالسيدة التي فقدت ابنتها البكر، لم تصدّق بعد ما حدث، فاتن كان أقرب بناتها إليها، خاصةً كونها تسكن بالقرب من بيتها، تقول: "كانت هادئة وذكية في مدرستها، تعبت على تربيتها وكان أملي زي ما فرحت بزواجها، تفرح هي بزواج أطفالها، مش يعيشوا أيتام".

عاشت فاتن مع أهلها في السعودية حيث كان والدها يعمل، وعادت لما أنهت الثانوية العامة لدخول الجامعة، حيث تزوجت وأنجبت، تضيف أمها: "جبت معي كل جهازها وأغراض زواجها من السعودية، كانت أول فرحتنا".

ولا تنسى الحاجة السبعينية المكلومة، كيف كانت تهتم فاتن بصحتها، وتحضر لها ما تحتاج وهي عائدة من عملها، كيف كانت تحضر لها كعك العيد والمفتول، وتتساءل: "من يعيد لقلبي الملتاع بريق عينيها؟ لقد رحلت مهجة القلب".

والدها فما زال يذكر كيف رفض أول عقد عمل إلى ليبيا رغم حالة العوز التي كان يعيشها، "كرما عيون فاتن"

أما والدها فما زال يذكر كيف رفض أول عقد عمل إلى ليبيا رغم حالة العوز التي كان يعيشها، "كرما عيون فاتن"، حينها –يقول- كانت طفلة، ولما حضرت السيارة التي من المفترض أن تقله إلى المطار، نظر إلى عينيها، واعتذر رافضًا قبول الفرصة.

يحاول الأب التماسك، بينما تخونه دموعه التي ما زالت تتسلل من بين جفونه، فيتابع بصوتٍ متقطع: "ما توقعت ييجي يوم أدفن فيه بنتي، كنت دايمًا أدعي ربنا يطول عمر بناتي وابني، ولكن قدر الله غالب، ربنا يرحمها ويعوضنا خير ببناتها وابنها".

رمضان هذا العام يزور عائلة أبو معلا محمّلًا بالألم، تقول الطفلة ملاك: "لا أعلم كيف سأكمل حياتي دون أمي"، ورغم أنها بالكاد قبلت الحديث مع شبكة "نوى"، إلا أنها وجهت لأمها رسالة وسط دموعها المنهمرة: "بحبك يا ماما، ومش رح أنساكي".

وتضيف: "راح أدرس الفيزياء مثل ماما، وراح أكون معلمة ناجحة مثلها"، تؤكد ملاك المتفوقة أنها ستهدي أمها أي نجاح ستلاقيه في حياتها، بمفرداتها البسيطة تعبر عن ذلك فتقول: "عشان ماما تضل فرحانة فيا".

عودة إلى أسيل التي ستحمل منذ الآن مسؤولية مضاعفة حتمًا :"أيامٌ فقط تفصلنا عن شهر رمضان، لا أعرف كيف سيكون الحال؟ بالتأكيد لا احتفال ولا ابتهاج، زينة كل عام لن تكون موجودة، وحتى الاستعدادات لطقوس السحور والفطور التي كنا نحبها وننتظرها، لن نشعر بها دون وجود ماما".

"أين بهجة البيت التي تضىء جنباته كي نحتفل؟" تتساءل أسيل، مضيفة :"لا كعك عيد ولا شراء ملابس جديدة، ولا حتى أناشيد رمضان، البيت يموت حزنًا، أمي كانت تحفر الأرض بأظافرها كي لا تحرمنا شيئًا".

لا شيء يقتل قلب العائلة أكثر من فقدان أحد أفرادها، فما بالنا حين يكون الفاقد "أمًا"، تزرع في البيت الفرح، وتحصد الضحكات، تلك التي تضرب بنظريات الاقتصاد عرض الحائط حين تدير بيتها بأقل الإمكانيات، وتبدع مديرةً ومدبّرة، هنا عائلة لا يمكنك مغادرة بيتهم دون أن ينخلع قلبك ألمًا على حال أفرادها الذين يؤمنون كل الإيمان بأن كل ما حدث "قدر" لم تكن أمهم لتهرب منه.. أو هُم.