"صُناع الجمال".. عمال النظافة في مراكز الحجر
تاريخ النشر : 2020-04-15 23:42

رفعنا ولا نزال، القبعة لجنود الجيش الأبيض، "الطواقم الطبية" التي لم تدخر جهدًا في مواجهة فايروس "كورونا"، رغم الحصار الذي أضعف القطاع الصحي وأصاب باقي القطاعات بالشلل، إلا أن جنودًا مجهولين، أطلق عليهم البعض لقب "صناع الجمال"، يقبعون في الحجر الصحي منذ (24 يومًا)، دون أن يلتفت إليهم أحد.. "عمال النظافة"، وبينهم خمسة أمضوا (15 يومًا) في مستشفى العزل، بمعبر رفح الحدودي جنوب القطاع.

حسن محمد (27 عامًا)، هو خريجٌ جامعيٌ اضطر للعمل في شركة نظافة، بعد انعدام فرص العمل بشهادته على مدار سنوات طويلة، فكان من نصيبه، الالتحاق بفريق الإعداد والتجهيز للمستشفى الميداني، كعامل نظافة.

يقول الشاب لـ نوى: "لم نكن نعلم أن المستشفى ستستقبل مرضى فايروس كورونا، لكننا مع الإعلان عن اكتشاف أول حالتين، بدأنا فعليَّا بتقبل الأمر، والتزمنا بكافة التوجيهات التي وصلتنا من وزارة الصحة عبر مسؤول المركز د.مروان الهمص، لوقاية أنفسنا من الإصابة بالعدوى".

وأضاف: "كنا على احتكاكٍ دائمٍ بالمصابين وغرفهم، نعقمها كل يوم كما المكان بأكمله، كنا نأخذ المخلفات من غرفهم، ونلقيها في حاوية كبيرة خصصت لتجميع تلك النفايات والتخلص منها لاحقًا بطريقة آمنة".

وأشار إلى حرص القائمين على المشفى، على تعقيم أكياس مخلفات "نزلاء العزل" قبل نقلها إلى الحاوية، ضمن الإجراءات الوقائية المتبعة التي أقرتها وزارة الصحة.

اليوم يُمضي العمال الخمسة مدة حجرهم الصحي المطلوبة، بعد 15 يومًا من العمل في المشفى الميداني بمعبر رفح، يقول محمد القريناوي: "نحن على باب الله، ولا نعرف كم سنتقاضى عن تلك الفترة التي عملنا خلالها في المستشفى الميداني؟ ولم يتم التواصل مع ذوينا من قبل أي جهة كانت، رغم معرفة الجميع أننا عمال، وبالكاد يمكننا تدبر شئون معيشتنا في الأيام العادية، فكيف هو حال أسرنا اليوم؟".

يعيش القريناوي مع زوجته وطفله في منزلٍ مستأجر، وقد هاتفهم في اليومين الماضيين صاحب المنزل لمطالبته بإيجار الشهر المستحق، يعلق: "بالكاد عائلتي تتدبر شؤون حياتها في غيابي".

وأوضح أنه لم يحصل وأي من زملائه على مقابل -حتى اللحظة- نظير عملهم، بالرغم من مطالبتهم ، بتوفير أي مبلغ "حتى ولو سلفة" وإرساله إلى أسرهم، غير أن المشرف المسؤول أخبرهم بأن عمليات الدفع المالي مرتبطة بجملةٍ من الإجراءات التي قد تأخذ وقتًا، وهو ما يقدره القريناوي وزملائه، مستدركًا: "لكن البيوت المفتوحة والأفواه الجائعة لن تنتظر تلك الإجراءات".

ومضى يقول والأسى يظهر جليًا في نبرة صوته: "لا أعرف كيف تتمكن زوجتي من تدبير ما تطعم به طفلي (...) صحيح أن والديّ يتفقدانها، لكن وضعهما ليس أحسن حالًا من وضعي".

ما يثير حزن محمد، أن الوفود التي تزور المستشفى الميداني، تقدم الشكر باستمرار للطواقم الطبية ورجال الأمن، وتتناسى دور عمال النظافة، يعلق على هذه النقطة بقوله: "نحن لا ننكر فضل الأطباء والأمن، لكننا أيضًا قدمنا وخاطرنا بأنفسنا، ليس فقط من أجل لقمة العيش ولكن أيضًا من أجل الوطن".

ويتابع: "حتى في الإيجاز اليومي، لم تتم الإشارة لجهودنا يومًا، ونخشى ما نخشاه أن نخرج من هنا دون الحصول على مقابل مناسب لجهدنا الذي عايشنا فيه المخاطرة عيانًا (..) لسنا موظفين رسميين كما بقية الطواقم"، متسائلًا: "من سيكون لنا ولأسرنا في حال تعرضنا لخطر الإصابة لا سمح الله؟".

مخاوف مشروعة يعيشها عمال النظافة المحجورين في معبر رفح البري، نقلتها "نوى" لمدير  إحدى الشركات المتعاقدة مع وزارة الصحة الفلسطينية، نبيل حماد، الذي أكد بدوره أن شركته تتابع وضع العمال المحجورين باستمرار، وتحرص على تلبية جميع متطلباتهم من مأكل وملبس، وأدوات تعقيم، توفرها وزارة الصحة التي تشرف على وضعهم اليوم أثناء الحجر الصحي.

ويوضح بشأن مرتباتهم، أنهم سيتقاضون رواتبهم بمجرد إتمامهم شهرًا كاملًا منذ تاريخ بدء العمل، ملفتًا إلى أن الاتفاق الذي تم مع وزارة الصحة، ومن خلال توجيهات منظمة الصحة العالمية، يقضي بأن تعمل طواقم النظافة كما الطواقم الطبية والأمنية (14 يومًا) ثم يتم حجرهم صحياً (21 يومًا) تتبعها إجازة حجر منزلي لمدة (14 يومًا) آخرين.

وطمأن حماد موظفيه، بأن الشركة تلقت وعودًا جدية من وزارة الصحة بأن يتم التعامل مع العمال كما غيرهم من الموظفين العاملين في مراكز الحجر، "سيتقاضون راتبًا عن الفترة التي قضوها في مراكز الحجر الصحي، وفقًا للاتفاق المبرم مع الوزارة"، منوهًا إلى أن "العمال سيحظون أيضًا بمكافأة مالية من وزارة الصحة"

وحسب حماد تتجاوب الشركة مع طلبات بعض العمال لسلفة مالية إلى حين موعد الراتب حتى  لو تجاوزت أجرته الشهرية.

ربما تشرح هذه الأخبار إن صدقت صدور العمال القلقين على صحتهم داخل الحجر، وعلى ذويهم خارجه، وترفع أحلامهم باستقبال شهر رمضان المبارك واحتياجاتهم وأولوياتهم متوفرة.