"كورونا" ولاجئو لبنان.. كيف ينام قادة الوطن؟!
تاريخ النشر : 2020-04-11 23:08

غزة- بيروت/

إذا رأيتَ أمًا اضطرت لأن تبلل الخبز اليابس بالماء الساخن، وتوهم أطفالها بأنه مغموسٌ بالحليب، فاعلم أنك تتحدث عن أمٍ فلسطينية تعيش في أحد مخيمات اللجوء في لبنان! "بهذه العبارة لخّص مدير مؤسسة "باليستا" في العاصمة اللبنانية بيروت ثائر الغضبان، وضع اللاجئين الفلسطينيين هناك.

هذه العبارة لا تحمل أي نوعٍ من المبالغة، في ظل الجوع الذي يطرق أبواب معظم القاطنين هناك، لا عمل، ولا قوت، ولا اهتمام على الصعيد الرسمي! سيما اليوم، وهم في مواجهة جائحة أوقفت العالم كله على أطراف أصابعه خشية أن يطاله البلل.

لعل ما يوازي الحديث عن "غذاء المخيم" اليوم، الحديث عن تعقيم المخيمات! "كيفية توفير مواد التنظيف والتعقيم للأسر التي تسكن فيها"، هذه الأسر التي تسترها الحيطان المهترئة منذ مئة يومٍ من الحجر المنزلي المفروض كإجراء احترازي في مواجهة "كورونا".

عدد اللاجئين الفلسطينيين الذين يعيشون في لبنان (174) ألف لاجئ، بينما عددهم حسب أرقام  "أنروا" (449) ألف لاجئ.

ووفق ما تشير إليه الإحصاءات الرسمية للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، وإدارة الإحصاء المركزي اللبناني، فإن 174 ألف لاجئ فلسطيني يعيشون في لبنان، بينما تشير أرقام وكالة غوث وتشغيل اللاجئين إلى 449 ألف لاجئ.

وبعيدًا عن الفجوة الواسعة في عدد اللاجئين بين إحصاءات الجهتين، إلا أن تلك الأرقام تعد المؤشر الأوضح لو تمت مقارنتها بحجم الخدمات المقدمة من قبل الجهات المسؤولة: (وكالة الغوث- منظمة التحرير المسؤولة عن العدد الرسمي المذكور فقط)، في حين أن باقي من لم يحصهم التعداد يعيشون هناك بلا أبٍ شرعي يرعى ويدعم حقوقهم.

ويؤمن رئيس مجلس إدارة مؤسسة "باليستا"، أن أعداد اللاجئين في لبنان تتجاوز الأرقام المذكورة بأضعاف مضاعفة، ويقول: "أنا شخصيًا على سبيل المثال، لم يحصرني أي تعداد استهدف الفلسطينيين هنا، بالإضافة إلى 20 شخصًا من أقربائي"، "فما بالنا بباقي المناطق والمخيمات؟" يتسائل.

 "يضطر اللاجئون هنا إلى العمل بنظام المياومة، ما يعني أن معظمهم فقدوا مصادر رزقهم مع إعلان حالة الطوارئ".

تردي الأوضاع المعيشية في أوساط اللاجئيين الفلسطينيين بلبنان، لم يعد يخفى على أحد، قلة الموارد، وقلة فرص العمل، ومنعهم من التوظيف في نحو 60 مهنة، وضعف الاهتمام بظروف حياتهم الصحية والتعليمية، فما بالنا ونحن نتحدث عن ظروفٍ أكثر قهرًا.. زمن الجائحة، هل يمكن أن نتوقع "خيرًا" فيما يتعلق بتعقيمهم بيوتهم وأزقة مخيماتهم الضيقة؟!

في الحقيقة، منذ تفشي "الجائحة" بدأت مؤسساتٌ بجهودٍ ذاتية وتبرعات شخصية، بشراء مواد التعقيم والشروع بتعقيم المخيمات بيوتها وشوارعها، إحدى هذه المبادرات نفذتها جمعية "باليستا" سالفة الذكر، وجمعية المنبر العربي للثقافة والفنون، و"شباب ترشيحا"، برفقة فريق من المتطوعين والمتطوعات الذين بادروا للتدرب على كيفية الرش والتعقيم، وشرعوا بتعقيم الشوارع والمنازل، ومداخلها ومخارجها، بتبرعات فردية.

منذ بدء تفشي كورونا في العالم، وجدت المخيمات الفلسطينية نفسها وحيدة في مواجهة الوباء، الجميع هنا متعطل عن العمل بسبب توقف كافة أشكال الحياة في لبنان

يقول هاني الغضبان مدير "المنبر العربي": "منذ بدء تفشي كورونا في العالم، وجدت المخيمات الفلسطينية نفسها وحيدة في مواجهة الوباء، الجميع هنا متعطل عن العمل بسبب توقف كافة أشكال الحياة في لبنان، لا يستطيع الواحد منهم توفير لقمة خبز حتى يوفر المال لتعقيم بيته وأهله"، موضحًا  أنهم بدأوا بتبرع من رجل الأعمال ورئيس مجلس إدارة "باليستا" بحملة لتعقيم المخيمات والتجمعات الفلسطينية، بدون استثناء. يعقب: "بل إننا في بعض الأوقات كنا نقصد أحياءً لبنانية لتعقيمها، بعد اتصالات كانت تردنا من بعض أهلها".

ارتفاع سعرمواد التعقيم المعروفة مثل "الكلور" و"الديتول في ظل الأزمة الضعف ،  صعّب الخيارات أمام المواطنين بالمفاضلة بين الصحة والغذاء

ولفت هاني إلى أن مواد التعقيم المعروفة مثل "الكلور" و"الديتول"، ارتفع سعرها إلى الضعف في ظل الأزمة، مما صعّب الخيارات أمام المواطنين بالمفاضلة بين الصحة والغذاء، موضحًا أن بعض المؤسسات في إطار مواجهة "كورونا"، قامت بتوزيع معقماتٍ وأدوات تنظيف على السكان منذ بدء الجائحة "لكن إلى متى يمكن أن تكفيهم؟ ورغم كل محاولاتنا نتساءل الآن: هل استطعنا الوصول إلى الجميع؟".

وطالب مسؤول المنبر العربي، كل الجهات المعنية سواء "أونروا"، أو الفصائل، أو السياسيين الذين يتغنون باللحمة الشعبية ودعمهم لحقوق اللاجئين، بالنظر إلى حال المخيمات، وحفظ ما تبقى من كرامة الانسان فيها.

بالعودة إلى مدير جمعية "باليستا"، فقد تحدث لـ "نوى" عن أهمية عملية التعقيم والرش لشوارع المخيمات وبيوتها، فقال: "بالإضافة لضمان نظافة المكان، حاولنا تعزيز الطمأنينة لدى السكان، وهو ما يؤثر إيجابًا على تحدي الفايروس، وتقوية مناعتهم، التي يمكن أن يفقدونها نفسيًا في حال لم يجدوا أي اهتمام بواقعهم في ظل مثل هذه الأزمة".

من لا يملك ثمن ربطة خبز يسكت بها جوع أطفاله، "فهل سيتمكن من شراء صابونة للتنظيف والتعقيم؟

بدورها، تؤكد صاحبة مشروع "قضيتي" لدعم ومساندة اللاجئين في لبنان، رنا عرابي، وهي إحدى المشاركات في عمليات التعقيم، التي قادتها جمعيات: "باليستا" و"المنبر" "وشباب ترشيحا"، أن من سكان المخيمات من لا يملك ثمن ربطة خبز يسكت بها جوع أطفاله، "فهل سيتمكن من شراء صابونة للتنظيف والتعقيم؟" تتساءل بأسى.

عرابي التي تدير مشروعها بجهود ذاتية، تعمل على دعم ومساندة اللاجئين في المخيمات قدر ما تستطيع من خلال علاقاتها بجهات رسمية وأهلية في لبنان، تقول: "أحدهم بكى أمامي، وهو يخبرني أن أطفاله ناموا ليلتهم جياعًا، بعد أن فقد عمله اليومي (..) إن ما تقدمه الأنروا بالكاد يكفيهم بضعة أيام".

وتشرح :" توفر الأونروا اليوم للفلسطينيين اللاجئين من سوريا فقط، بدل إيجار منزل، و40 ألف ليرة لكل فرد شهريًا (كل 2950 ليرة تساوي دولارًا واحدًا)، فما بالكم لو أخبرتكم أن طبخة يوم واحد تكفي عائلة من 5 أشخاص تحتاج إلى 30 ألف ليرة!"، وتعود لتتساءل: "كيف سيتدبر هؤلاء أيامهم في ظل مكوثهم بالبيت بلا عمل أو دعم؟".

في مخيمات اللجوء بلبنان يغطي كل تنظيمٍ احتياجات الموالين له، بينما من لا يتبع لأحد يبقى بلا أي دعم أو تغطية مالية.

في مخيمات اللجوء بلبنان –والحديث لعريبي- يغطي كل تنظيمٍ احتياجات الموالين له، بينما من لا يتبع لأحد يبقى بلا أي دعم أو تغطية مالية.

تعلق: "المحسوبية والموالاة بشعة، وبشاعتها تزداد حينما يرتبط تأمين الغذاء لمحتاج، بتبعيته لهذا التنظيم أو ذاك"، منوهةً إلى أن التمييز في توزيع المساعدات شمل الفلسطيني السوري أيضًا، الذي هُجِّر من مخيمات اللجوء في سوريا، "وهؤلاء أوضاعهم تفوق كل الأوصاف سوءًا".

وكانت عرابي علِمت، أنه تم توزيع 600 حصة من المنظفات وأدوات التعقيم، "ولكن ماذا يمكنها أن تفعل مقابل 54 ألف فلسطيني لاجئ في مخيم برج البراجنة وحده؟" تتساءل.

وتوافق عرابي مدير مؤسسة "باليستا" إيمانه بأن الأرقام الرسمية للسكان "اللاجئين" في المخيمات الفلسطينية غير واقعية.

تسمع عريبي كما غيرها عن أرقام مالية ضخمة، من المفترض أنها تصل للاجئين في المخيمات، لكنها تؤكد بلهجةٍ أقرب إلى اللبنانية: "ما بنشوف شي".

وتسمع عرابي كما غيرها عن أرقام مالية ضخمة، من المفترض أنها تصل للاجئين في المخيمات، لكنها تؤكد بلهجةٍ أقرب إلى اللبنانية: "ما بنشوف شي".

وتزيد: "لا يمكن أن تطالب الناس بالمكوث في البيت دون أن توفر لهم قوت أطفالهم، أو ما يمكّنهم من مواجهة هذا الوباء اللعين، من أدوات الوقاية والتعقيم".

عرابي، التي كانت ضمن فريق التعقيم المُبادر، الذي يتكون من 90 شخصًا، أكدت أنه تم تقسيمهم على عدة شوارع لتنظيفها، وتوعية المواطنين بأهم إجراءات السلامة والوقاية، "من على الباب، وعلى بعد متر تقريبًا".

"ليس هذا وحسب" تتابع عرابي، "فقد عملنا قدر الإمكان على تقليل خروج الناس من منازلهم، من خلال نشرنا أرقامًا لمتطوعين متاحين في ساعاتٍ محددة، يمكن الاتصال بهم لشراء أي احتياجات وتوصيلها للمنازل".

توضح عرابي أن اللاجئ الفلسطيني في المخيمات لا يمكنه أن يفكر في شراء مواد التعقيم، في وقتٍ بالكاد يمكنه أن يتدبر توفير طعام أطفاله واحتياجاتهم الأساسية.

لا خاتمة لهذا التقرير يمكن أن تلخّص ما يمكن قوله إزاء هذا الواقع المأساوي الذي ازداد طينُهُ بلة في ظل ظهور "كورونا"، إلا سؤالًا واحدًا نوجهه لكل من حمل أمانة قيادة الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات: "هل تنامُ مرتاحًا؟".