"كورونا".. يكشف مُدّعي الإنسانية ويقلب موازين القوى
تاريخ النشر : 2020-04-04 15:28

غزة:

لعله عنصر المفاجأة، هو الذي جعل العالم الذي انشغل لعقودٍ في تعزيز الأمن القومي عسكريًا، يقف مشدوهًا أمام جائحة فايروس "كورونا" وكأنها "الأولى"، رغم أنه لطالما اكتوى بنار الأوبئة.

الفايروس الذي بدأ هجومه من مدينة "ووهان" الصينية أواخر العام المنصرم، يواصل الفتك، مهددًا المنظومة الصحية لكل الدول، بينما الصراع على أشده بين المختبرات العلمية العالمية بغية اكتشاف مصلٍ لعلاج المرض الذي راح ضحيته حتى الآن (51,718) إنسانًا على مستوى العالم، بينما يشرف عدد مصابيه على عتبة المليون.

(كوفيد_19) الذي اكتسح حتى الدول التي تتمتع باقتصاد قوي، ومنظومات صحية متقدّمة، سيلقي بظلاله حتمًا على الأداء السياسي العالمي، فصراع النفوذ الذي كان على أشده بين الولايات المتحدة والصين، ربما لن يتغير حتى بسبب أزمة كورونا.

القرم: سيكون هناك تعاون وتكافل أممي ودور للمنظمات العالمية، لكن في المقابل ستصبح هناك انعزالية

الباحثة السياسية د.أماني القرم، تتوقع تغييرًا في العلاقات بين الشرق والغرب، وليس فقط بين الولايات المتحدة والصين، الأمر سيتجاوزهما حتمًا، والمنطق يقول "سيكون هناك تعاون وتكافل أممي ودور للمنظمات العالمية، لكن في المقابل ستصبح هناك انعزالية، عندما أضحت كل دولة، تفضل إغلاق حدودها في وجوه الوافدين".

تقول: "الفايروس لم يضرب فقط الولايات المتحدة والصين، بل أصاب كل البشرية في مقتل، فلا عقل يصدق أن هذا الفايروس المتناهي الصغر، جعل العالم يغلق شركاته ومدارسه منذ قرابة الشهرين، فيما تسبب بأزمات ضخمة للاقتصاد العالمي"، مستدلةً بفايروس الإنفلونزا الذي أصاب العالم بين عامي 1918-1920، الذي أطاح بخمسين مليون إنسان، وأحدث تغييرًا في النظام الدولي، "تمامًا كما فعلت أحداث 11 سبتمبر" تضيف.

بينما يرى الباحث السياسي د.طلال أبو ركبة، أن هذه الدول سارعت لتبادل التهم حول مسؤوليتها عن تفشي الفيروس، وبالتالي سعت كل منها لتعزيز قدراتها الذاتية، من أجل إثبات جدارتها بقيادة العالم، "أما التضامن الأوروبي، فقد بدا هشًا للغاية، إذ تُركت إيطاليا وصربيا تواجها الموت، وتأخر دور الاتحاد الأوروبي في مساعدتهما، ما يكشف ضعف التضامن الدولي، وهشاشة الاتحاد الذي ربما سيشهد انسحابات تدريجية، نتيجة أزمة الثقة التي نشأت، وأثرت على شكل العلاقة داخله" يردف.

أبو ركبة: أزمةٌ أخلاقية وإنسانية –أكثر خطورة- يشهدها العالم اليوم، فالوباء قاد بعض الدول إلى مزيد من التوحش والتفرّد، واعتماد الخطاب العنصري

وفي السيادق ذاته، وبالعودة إلى الباحثة القرم، فإنها أيضًا تتوقع أن تشكّل الأزمة خطورةً على مستقبل الاتحاد الأوروبي، الذي ترك "إيطاليا" وحيدة في مواجهة الفايروس منذ البداية، في الوقت الذي كان يفترض فيه فتح الحدود والتعاون لمواجهة الأزمة، ملفتةً إلى أنه تم إحراق علم الاتحاد الأوروبي في ألمانيا واسبانيا، وهذا –وفق تعبيرها- دليل على تقاعس المنظمة الدولية في مساعدة بعضها البعض.

أزمةٌ أخلاقية وإنسانية –أكثر خطورة- يشهدها العالم اليوم، فالوباء قاد بعض الدول إلى مزيد من التوحش والتفرّد، واعتماد الخطاب العنصري الشعبوي الموجه، الذي يتهم الصين تارة بالتسبب في الأزمة، وتارة يتهم الولايات المتحدة، يقول أبو ركبة.

الدول الرأسمالية، بدأت تتبنى نظرية "مناعة القطيع"، التي ينتقدها الباحث أبو ركبة، ويعدُّها سياسة رأسمالية متوحشة، تحافظ على 1% من البشر، ممن يمتلكون 90% من ثروات العالم، ولديهم القدرة على عزل أنفسهم والحفاظ على حياتهم، على حساب الفقراء الذين ليس لديهم هذه القدرة.

فهذه الدول (والحديث لأبو ركبة)، تحمل نظرة عنصرية تجاه المشردين والوافدين، "والإنسان الطبيعي يخاف ويشعر بالارتباك، وبالتالي سيظهر التوحش وفقًا لنظرية الانتخاب الطبيعي والبقاء للأقوى"، قائلًا: "هناك دول مثل الولايات المتحدة ستضحي بكبار السن، ومرضى التوحد، وحالات متلازمة داون، وهذا سيؤدي إلى انكشاف حقيقي لمنظومة القيم الأخلاقية".

ويضيف: "كورونا فرض عزلة دولية نتيجة إغلاق المطارات والموانىء، وعزلةً محلية داخل الدول نفسها، ومن المتوقع أن تزداد مع استمرار الوباء الذي يحتاج اكتشاف مصل يعالجه تبعًا للعلماء بين عامٍ وثلاثة"، وهذا يدفع إلى الحديث عن التنمر التي يتعرض له الضحايا من المصابين، التي ستزيد التعقيد على المستوى الفردي، ويؤدي إلى مزيد من التباعد الاجتماعي ما سيعزز نظرية الانعزال على مستوى الأفراد والدول، يتابع.

ستزداد الأصوات التي تنادي بالانعزالية والأممية ونظرية المؤامرة علوًا، هذا ما تستطيع التنبؤ به الباحثة القرم، "فمنذ انتشر الفايروس، أبدت الولايات المتحدة عنصرية أكثر، وانعزالية أكبر، وتنازلت عن دورها كدولة عظمى، ولم تقدم المساعدات لأحد، على عكس الصين التي أرسلت المساعدات حتى في "عز أزمتها"، وكوبا التي تعاني حصارًا أمريكيًا وأيضًا قدمت مساعدات، وهذا يدل على أن هناك تحولًا باتجاه الشرق، والغرب سيكون هو الخاسر الأكبر، عندما بدا أكثر عنصرية وانعزالية".

وتستبعد القرم فرص اندلاع حرب كونية، فكل دولة ستسعى للملمة نفسها وإعادة صياغة منظومتها الصحية، حيث سيطال الانهيار جميع المنظمات الاتحادية، وليس فقط الاتحاد الأوروبي، بل أيضًا جامعة الدول العربية والمنظمات الأممية، مستدركةً بالقول: "ولكن كان الاتحاد الأوروبي الأكثر وضوحًا، العالم سيحاول لملمة نفسه واتخاذ طريق تجنبه الأزمات، ولكنه سيكون أقل انفتاحًا وازدهارًا وأكثر انغلاقًا فيما بعد".

"ومع كشف كورونا لهشاشة نظريات الأمن القومي، لم تعد الدول تقاس بمدى امتلاكها أسلحة بيولوجية أو كيماوية أو أسلحة دمار شامل، بقدر ما تمتلك قطاعًا صحيًا قادرًا على مواجهة الأزمات"، يقول أبو ركبة، ويكمل: "سينتج عن هذه الحالة، إعادة النظر في كل النظريات التي تناولت الأمن القومي، وستذهب الدول لتعزيز قطاعي الصحة والبحث العلمي مستقبلًا".

وفي ظل ما تعانيه الدول من أزمات ستنعكس على الاقتصاد العالمي، ومع طلب 80 دولة مساعدات من البنك الدولي واحتمال إفلاسها،  قد يتطور الأمر إلى اشتعال حروب متفرقة ربما تقود إلى حرب عالمية، وهذا أخطر ما يمكن أن تنتجه "كورونا" التي أبطلت الحياة في أنحاء الأرض.