لم تكن مريم محمد تفوّت أسبوعًا، دون أن تخصص فيه يومًا للالتقاء بصديقاتها المقرّبات داخل أحد المطاعم أو المقاهي المطلة على البحر في مدينة غزة، إلا أن الوضع الآن تغيّر، فمنذ أن أعلنت منظمة الصحة العالمية فايروس كورونا المستجد "جائحة عالمية"، صار من النادر أن تزور مريم مطعمًا، أو مقهى، وإن حدث ذلك، فبإجراءاتٍ مشددة نبعت من خشيتها الإصابة.
تقول لـشبكة "نوى": "إذا صدف وذهبت، أحمل في حقيبتي معقم اليدين، وأمسح بمنديلٍ مبللٍ الطاولة التي أجلس عليها، حتى صديقاتي اللاتي تشاركنني الجلسة، أبتعد قدر الإمكان عنهن في المجلس خشية انتقال أي عدوى".
ما يلفت النظر في طريقة تعامل مريم مع زيارة أي مطعم في الوقت الحالي، هو أنها تطلب من النادل تقديم طلباتها بأكواب وأطباق بلاستيكية مخصصة للاستخدام الشخصي (مرة واحدة)
ما يلفت النظر في طريقة تعامل مريم مع زيارة أي مطعم في الوقت الحالي، هو أنها تطلب من النادل تقديم طلباتها بأكواب وأطباق بلاستيكية مخصصة للاستخدام الشخصي (مرة واحدة)، وليس كما جرت العادة في غالبية المطاعم، تقديمها بأوانٍ زجاجية، وأدوات معدنية (شوك، وملاعق، وسكاكين) يمكن تداولها بين أكثر من شخص.
معظم روّاد المطاعم تمامًا مثل مريم، تغيرت عاداتهم بعد ما سمعوه عن تفشي المرض وسرعة انتقاله بين الناس في مختلف أنحاء العالم، متبعين بذلك مبدأ "الوقاية خير من قنطار علاج".
محمد اسماعيل، شابٌ في منتصف العشرينات، يعمل في محلٍ لتصليح الهواتف الخليوية، وقد اعتاد على تناول فطوره يوميًا في مطعمٍ شعبي للفول والفلافل برفقة زملائه من العاملين في نفس المحل.
يقول: "كنا نتجالس على طاولةٍ داخل المحل، نتناول فطورنا بجوٍ لطيف، وكان صاحب المطعم يقدم لنا الخدمات الإضافية كوننا زبائن عبر وضعه الحمص والفول في أطباق زجاجية ذات شكلٍ جميل مخصصة لهذين الصنفين، لكن الأمر الآن اختلف".
يذهب الشاب وحده على الأغلب إلى المطعم، ويأخذ فطوره على هيئة "ساندويشات"، ثم يغادر مسرعًا ويتناولها داخل محله قبل وصول الزبائن.
يذهب الشاب وحده على الأغلب إلى المطعم، ويأخذ فطوره على هيئة "ساندويشات"، ثم يغادر المحل مسرعًا ويتناولها داخل محله قبل وصول الزبائن.
يعلق: "بصراحة، صرتُ أخشى أن يكون أحد العاملين داخل المطعم ممن يعدون الساندويشات مصابًا بالفايروس"، معلقًا بخوفٍ بدا على ملامحه: "الأمر يبدو مرعبًا إن تمعنت فيه جيدًا".
على عكسه تمامًا، لا يرى عبد الله أمين، أي إشكالية في تناول الأطعمة من المطاعم –سيما التي يتعامل معها منذ زمن- "ومتأكد من نظافة العاملين فيها، وتقواهم" على حد تعبيره.
يقول لـ "نوى": "صاحب مطعم المأكولات الشعبية الذي أتعامل معه منذ زمن، شرع يعقم محله منذ اللحظة الأولى للحديث عن الفايروس وبدء انتشاره عبر العالم، كما أنه يضع على طاولة الرخام المخصصة لتحضير الطعام علبةً كبيرةً من الجل المعقم لليدين، مخصصة للزبائن، وللعاملين في محله، يقدم رشة منها كضيافة للزبون قبل أن يمد له الكيس الذي يحتوي طعامه".
"قبل عدة أيام زرت محلًا للحلويات، وقد أعجبت كثيرًا بفكرة وضع علبة جل معقم، على كل طاولة من طاولاته، كما أنه يقدم حلوياته في أطباق بلاستيكية تستخدم لمرة واحدة"
وهذا ما عكفت على تقديمه الكثير من محلات الحلويات الشهيرة، التي تقدم الحلويات الشرقية، مثل الكنافة والبقلاوة، تقول ياسمين البنا: "قبل عدة أيام زرت محلًا للحلويات، وقد أعجبت كثيرًا بفكرة وضع علبة جل معقم، على كل طاولة من طاولاته، كما أنه يقدم حلوياته في أطباق بلاستيكية تستخدم لمرة واحدة".
ورغم كل محاولات المطاعم ومحال المأكولات، طمأنه الزبائن إلى درجات التعقيم والنظافة التي تتبعها، إلا أن تسنيم محمد، قررت منذ أكثر من أسبوعين عدم شراء أي طعامٍ معد على يد أحد غيرها.
تعلق: "في هيك ظروف، أكل البيت صحي أكثر، واللي بيخاف على ولاده ما بيطعميهم إلا شغل إيده".
أحد أصحاب محال الشاورما في قطاع غزة، فهد العف، أكّد أن المطاعم بالعموم مُنيت بخسائر كبيرة جدًا خلال الفترة الأخيرة بسبب ضعف الإقبال، وخشية الناس من العدوى بفايروس كورونا.
يقول: "خسارة مطعمي خلال الفترة الأخيرة وصلت إلى 30%، رغم التزامي بكل الإجراءات الوقائية التي أقرتها وزارة الصحة، ومنها تعقيم المطعم بالكامل، وارتداء الموظفين كمامات للأنف، وقفازات للأيدي حفاظًا على سلامة الموظفين وزبائن المطعم".
ولم تختلف الإجراءات الوقائية للمطاعم الشعبية في القطاع عن غيرها من المطاعم الكبيرة، يؤكد زكريا أبو السعيد صاحب مطعم للمأكولات الشعبية، أنه برغم الوقاية المتبعة في مطعمه منذ انتشار فيروس كورونا إلا أن إقبال الناس على المطعم قل بصورة كبيرة، مما سبب خسارة بنسبة 60% إلى 70%.
وأضاف: "قيمة الخسارة وصلت لهذا الحد نظرًا لتوقف العملية التعليمية منذ مطلع الشهر الجاري، ومطاعم المأكولات الشعبية تعتمد بشكل كبير على طلبة المدارس والجامعات في تحصيل مصادر رزقها".
بدوره، أكد المهندس محمد العشي رئيس قسم الصحة الوقائية في بلدية غزة، اتخاذ البلدية بالتعاون مع وزارة الصحة بغزة، جملةً من الإجراءات الاحترازية المستمرة والمكثفة لمواجهة فايروس كورونا ومنعه من الوصول إلى القطاع.
البلدية والوزارة، تقومان بحملة توعية ورقابة تامة، وبشكلٍ دوري، على المطاعم والكافيهات والمرافق العامة، ذلك للتأكد من تعقيمها، حفاظًا على سلامة المواطنين والموظفين.
وأشار إلى أن البلدية والوزارة، تقومان بحملة توعية ورقابة تامة، وبشكلٍ دوري، على المطاعم والكافيهات والمرافق العامة، ذلك للتأكد من تعقيمها، حفاظًا على سلامة المواطنين والموظفين داخل هذه الأماكن.
ودعا العشي المواطنين في القطاع، إلى ضرورة الالتزام بقواعد الوقاية والتعقيم داخل البيوت وخارجها، من تطهيرٍ لمقابض الأبواب والأرضيات وتعقيم الأيدي، وتجنب التجمعات والاختلاط مع قدرٍ كبيرٍ من الأشخاص في أماكن مغلقة وصغيرة، مشددًا على ضرورة الالتزام قدر الإمكان بالمنزل، وعدم الخروج منه إلا للضرورة القصوى.
