"المحجورات" في مدارس غزة.. الخصوصية المُنتهكة
تاريخ النشر : 2020-03-19 18:33

غزة:

"محجورة في الطابق الثالث، رغم أني أعاني من مرض السكري، وخشونة في الرُكبتين، وأحتاج إلى أن أكون قريبةً من المرافق الخاصة"، هذا ما بدأت به السيدة سميرة زعرب (60 عامًا) حديثها لـ "نوى" عن ظروف الحجر الصحي الإلزامي الذي وضعت به، في مدرسة "رودلف فالتر" بدير البلح وسط قطاع غزة، دون أدنى مراعاة لحالتها الصحية.

زعرب، وهي من مدينة خانيوينس جنوب قطاع غزة؛ عادت من مصر برفقة مئات المسافرين والمسافرات ممن تم وضعهم في مراكز الحجر الصحي "المدارس"، عقب رجوعهم من الخارج، كإجراء احترازي مدته 14 يومًا، بهدف التأكد من سلامتهم من فايروس "كورونا" الذي يجتاح العالم.

وكانت منظمة الصحة العالمية أعلنت فايروس "كورونا" قبل عدة أيام "جائحةً عالمية"، مطالبة الدول كافة باتخاذ الإجراءات المتعارف عليها لمنع انتشاره.

في قطاع غزة اتخذت الحكومة قرارًا بإغلاق المعبر إلا في وجه العائدين/ات، والحجر الإجباري لأسبوعين كإجراء احترازي.

ورغم سلامة الإجراء من الناحية الصحية، إلا أن التطبيق شابَه قصور كبير بشهادة "المحجورين والمواطنين على حد سواء"، سيما بحق النساء اللواتي اشتكين أن المراكز غير مهيأة، ولا تحفظ لهنّ خصوصيتهن التي تعدُّ بالنسبة للمرأة شيئًا يعادل الكرامة.

تضيف السيدة زعرب التي دخلت الحجر قبل ثلاثة أيام: "بسبب مرض السكري أضطر للتوجه إلى دورة المياه كثيرًا خصوصًا وقت الليل، ومع خشونة الرُكبة، أتحرّك بصعوبة وبطء وألم"، مبينةً أن الأكثر ألمًا بالنسبة لها هو اضطرارها للنزول من غرفتها في الطابق الثالث عدة مرات، من أجل الذهاب لدورة المياه.

"بالأمس بكيت بشدة، فأنا لا أشعر بالراحة ولا الخصوصية في مكانٍ مفتوح، حتى الآن لم أستحم، ولم أبدل ملابسي"، تزيد السيدة، التي لم تتمكن من الارتياح من السفر الشاق، ولا الحفاظ على نظافتها الشخصية، "وهذا شعور مؤلم للنساء" تعقب.

زميلتها في الحَجر السيدة هيام ماضي "52 عامًا"، تقول: "يفترض مراعاة هذه النقطة، النساء لا يستطعن التحرك بحرية في مكانٍ مختلط، كان الأصل فصلنا"، مضيفةً: "لكم أن تتخيلوا، أن تدخل سيدة دورة المياه بينما عند الباب يقف رجل على المغسلة يغسل يديه (..) كم يحمل هذا الشعور من حرج وألم للنساء".

"لا استحمام حتى الآن، لم يكن هناك دش، وحين توفر أين أضع ملابسي؟" تتساءل السيدة، وتكمل: "دورة المياه غير مهيأة للاستحمام، فلو وضعت ملابسي على المغسلة يمكن أن تسقط، ناهيك عن أن حقائبنا ليست معنا".

تجزم ماضي التي كانت في القاهرة لزيارة أبنائها، إن انتهاك الخصوصية للنساء بدأ منذ اللحظة الأولى لدخولهن معبر رفح، حين لم تتلقين معاملة حسنة من قبل موظفي المعبر، الذين كانوا يصرخون في وجوههن، خلافًا لما اعتدن عليه من معاملة حسنة –هي شخصيًا- في كل مرة  كانت تسافر فيها.

"ولم يتم الفحص حتى على المعبر"، تتابع السيدة ماضي، التي أوضحت أن وضع المسافرين في الباص مدة ثلاث ساعات، من أجل البحث عن مركز حجر، كان أيضًا متعبًا بالنسبة لأناس أُنهكت أعصابهم على مدار يومين في رحلة العودة الشاقة.

 وحتى حين وصلت المركز واحتجّت على ظروفه، صرخ بها مسؤول :"تلقيش خطبة".

وكانت شبكة المنظمات الأهلية ومنظمات حقوق الإنسان، أكدت في بيان لها أصدرته يوم أمس، ضرورة مراعاة توفير المتطلبات الرئيسية لمن يتم وضعهم في الحجر الصحي، بما يكفل كرامتهم ويضمن سلامتهم ووضعهم الصحي وراحتهم.

وأورد البيان، أنه وبالنظر إلى أن ظروف الحجر قد تنطوي على مخاطر صحية فإنه يجب على الجهات ذات العلاقة، العمل مع المجتمعات ومنظمات المجتمع المدني، على توفير الظروف الصحية الآمنة والمتعارف عليها أثناء الأزمات، وفي مثل هذه الأزمة كان لا بد من إشراك منظمات العمل الأهلي الصحية، من أجل التوعية العامة، واستمرار العمل على الحد من وصول فايروس كورونا إلى قطاع غزة.

الصحفية أمل بريكة، واحدة ممن يخضعون للحجر الاحترازي في المركز ذاته، وهي تلقي باللوم الأكبر على وزارة الصحة، التي لم تراعِ احتياجات النساء، ولا كبيرات السن حين أقرّت المكان.

تقول: "غالبية كبيرات السن يتواجدن في الطابق الثالث وهذا متعب لهن، الأصل أن يكون هناك تنظيم منذ البداية، ومراعاة لحاجاتهن الخاصة، الوصول إلى دورة المياه على سبيل المثال يفتقد لأي خصوصية، وكان في اليوم الأول مهينًا جدًا للنساء، ولم يتم الفصل إلا بعد أن أبدينًا تذمرًا واضحًا".

وتضيف:"النساء لهن احتياجات صحية مختلفة، على الأقل لو أرادت الاستحمام كيف ستخرج من الفصل تحمل أغراضها الشخصية، وتمر بها في الساحة أمام الجميع؟ أحيانًا تخجل الفتيات من هذا السلوك الطبيعي أمام أسرهن، فكيف سيكون هذا أمام عشرات الأغراب؟".

مع اليوم الثالث باتت الظروف أفضل، فبعد مطالبات، تم توفير أدوات صحية، "ولكن ظل مطلب النساء توفير مرافق في الطوابق العليا لتحفظ كرامتهن وتراعي احتياجاتهن".

توضح بريكة أن الاستحمام الآن مستحيل، فالحقائب تم أخذها منهم في المعبر، وملابسهم لم يبدلوها منذ خمسة أيام.

وتضيف: "طلبت من أهلي أن يحضروا لي ملابس، ما زلنا نحتاج إلى أدوات نظافة، صحيح تم توفير جزء كبير، ولكن حتى الآن الاستجابة المطلوبة لم تحدث".

ونفت بريكة تأكيد وزارة الصحة بـ"أن كل شيء متوفر للمحجورين"، قائلةً: "مجرد وجود عدد كبير في غرفة واحدة هذا كفيل بنقل عدوى أي مرض".

"دور وزارة الصحة الإشراف والتوعية، فأين الطبيب يزورنا بشكل دائم؟ وأين جلسات التوعية من الكورونا للمحجورين والمحجورات؟"، تسأل بريكة، التي تحاول إشغال وقتها ببعض الأنشطة الاجتماعية والترفيهية، مؤكدة أن من زارهم فقط هم بعض الأفراد من الأجهزة الأمنية.

وتساءلت عن "بعض قيادات الفصائل" الذين تم حجرهم في فنادق، بينما تم حجر المواطنين العاديين في ظروف غير مهيأة، "أليس دور هؤلاء القادة أن يكونوا بين الناس؟"، تجيب أمل: "هم ليسوا أكثر كرامة من باقي المواطنين سيما النساء، اللاتي يتم التضحية بخصوصيتهن في مثل هذه الظروف".

يشار إلى أن نحو 80 مواطنًا/ة، تم نقلهم إلى مدرسة مرمرة وغسان كنفاني في رفح عقب عودتهم من مصر، و300 آخرين في مدرسة الصفوة بمدينة خانيونس، عقب عودتهم من الضفة الغربية، وأكثر من 100 تم نقلهم إلى مدرستي سكينة ورودلف فالترة في دير البلح وسط القطاع.

ووفقًا لبيان أصدره المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان اليوم، فإن من بينهم مرضى يعانون من أمراض السرطان والكلى والشلل النصفي كانوا يتلقون العلاج في مشافي الضفة الغربية ومدينة القدس المحتلة والمشافي الإسرائيلية، وجميعهم خضعوا للفحص الطبي، وتعهدوا الالتزام بالحجر المنزلي لمدة 14 يومًا.

كما تلقى باحثوا المركز، شكاوى وإفادات متطابقة من قبل المواطنين، تفيد بأنهم يقيمون في مراكز الحجر الصحي جنوب قطاع غزة التي تفتقر لأدنى معايير السلامة والصحة العامة.