الطفل محمد أبو ريدة: متى سينتهي الوجعُ ماما؟
تاريخ النشر : 2020-03-12 22:49

قطاع غزة:

"متى سيعود محمّد للعب معنا؟ هل سيرانا بعينٍ واحدةٍ فقط؟" يتمتم أصدقاء الطفل محمّد أبو ريدة (١٠ سنوات)، بينما يسأل هو أمه: "متى سأعود للعب كرة القدم، وركوب الدراجة؟ متى سأنهض من الفراش؟ متى سيذهب الألم يا ماما؟"، لكنه لم يَكُن يعلمُ أبدًا أن الإجابة تمهِّدُ لمأساة طفلٍ فلسطينيٍ جديد، وقع فريسةً لرصاص جنود الاحتلال الإسرائيلي يومًا.

مساء الجمعة الموافق 27- ديسمبر/ كانون الأول، من العام 2019م، كان آخر عشاءٍ لمحمد يتناوله بشكله الذي وُلد فيه، بالأحرى "ببصره كاملًا"، قبل أن يستهدفه جنود الاحتلال بقنبلة غاز أصابت عينهُ اليمنى. 

حدث ذلك بالقرب من الشريط الحدودي شمال بلدة "خزاعة" الواقعة شرق مدينة خان يونس جنوب قطاع غزّة، في واحدٍ من أيام مسيرات العودة وكسر الحصار، عندما كان الطفل يحاول جمع مخلفاتٍ معدنية بهدف بيعها والحصول على بضعة شواكل، يمكن أن يوفّر بثمنها بعض السكاكر التي لا تستطيع عائلته –كما الكثير من العائلات الغزية- توفيرها له أو لإخوته بسبب أوضاعها المعيشية الصعبة.

ووفق وزارة التنمية الاجتماعية في قطاع غزة، فإن نسبة الفقر والبطالة في القطاع وصلت أواخر العام الماضي إلى ما يقارب 75%، لتصبح مؤشرات الفقر في غزة هي الأعلى على مستوى العالم.

"تبدلت حياتي من اللعب مع أصدقائي والذهاب إليهم، إلى الاكتفاء بزيارتهم لي، ومراقبتهم لوجهي الذي أضحى بعينٍ واحدة"، يقول محمّد الذي يعاني من آلام شديدة في رأسه كله، وليس موضع الإصابة فحسب، ناهيك عن أنه بات لا يرى بعينه اليُمنى مطلقًا، وقد ملَّ من تلقّي العلاج، وأخذ المضادات الحيوية، في محاولةٍ لتخفيف ألمه –وفق أمه-.

ويضيف: "كنتُ أراقبُ الأسلاكَ اللولبية على الشريط الحدودي لجمعها وبيعها، سقَطتُ على الأرض فجأة، ثم استيقظت لأجد نفسي في المشفى، أرى بعينٍ واحدةٍ فقط، أما الثانية فكانت مضمدة وتؤلمني بشدة".

تقاطعه أمه جيهان أبو ريدة (45 عامًا) فتزيد: "كنتُ أعد طبقًا من الحلويات وأنتظر عودته، كنتُ أعلم أنه ذهب إلى حيث المسيرات للبحث عن المعادن وعبوات القنابل الفارغة التي يبيعها فيوفر بثمنها مصروفه الشخصي"، مردفةً بأسى: "الوضع المادي سيء جدًا، أجبرتهُ الظروف على فعل ذلك ليبيع قطع الحديد بثلاثة شواكل/ نصف دولار تقريبًا كل يوم، وهكذا يحصل على بعض المال".

مشهد اللمة حول طبق الحلويات لم يكتمل! قنبلة الغاز الموجّهة من قبل جنود الاحتلال باتجاه عين الطفل كانت أسرع.

تلقت الأم خبر إصابة ابنها من شقيقته حنان، فسارعت إلى المشفى، وفُجعت بشكله حين غطّت الدماء وجهه، تعلق: "كنت أخشى أن يفقد حياته، لكن الأطباء في المستشفى الأوروبي أخبروني بأن حالة عين محمد حرجة، وأنه قد يفقد البصر".

في الأيام الأولى من الإصابة، لم يكن الطفل يقوى على مخاطبة أحد من هول الصدمة، يراقب الزائرين بصمت خصوصًا أصدقائه، ويُطلق صَرخاته المدوية من شدّة الألم أحيانًا كثيرة، ١٠ أيامٍ قضاها في المشفى، كانت تعادل سنوات عمره العشر.

"قبل الإصابة، كان محمد روح البيت، ومُولِّد الطاقة فيه"، تضيف والدته، وتكمل: "حياته انقلبت رأسًا على عقب بعد الإصابة، صار هادئًا بالكاد يرغب بالتحدث مع أشقائه، ويفضل أن يبقى صامتًا حين يزوره أصحابه الذين يسألون والدته باستمرار: "متى سيعود محمد لطبيعته؟ لماذا لا يريد التحدث معنا؟".

وتتساءل والدة الصغير: "ما الخطر الذي كان يشكله طفلي على جيش الاحتلال كي يستهدفه بهذه البشاعة؟".

ووفقاً لإحصائية أصدرها مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة "بتسيلم"، فإن (٢١) متظاهرًا فلسطينيًا فقدوا على الأقل البصر في عينٍ واحدة، خلال العامين الأخيرين، عندما كانوا يتظاهرون على مقربةٍ من الشريط الحدودي في غزة، كما فقد فتى يبلغ الـ 16 من عمره بصره كليًا.

 قصصٌ مأساوية لـ (٢١) فلسطينيًا فقدوا البصر، تضاف إلى الحصيلة المُرعبة لضحايا المسيرات السلمية منذ انطلاقها.

أكثر من ٢٠٠ قتيل، ونحو ٨٠٠٠ جريحٍ بالذخيرة الحية، ونحو ٢٤٠٠ جريح جراء إصابات الأعيرة المعدنية المغلفة بالمطاط، ونحو ٣٠٠٠ جريح جراء إصابات قنابل الغاز.