ممثلات غزة.. يواجهن نظرة المجتمع بقوة الرسالة
تاريخ النشر : 2020-03-11 20:11

تحاول الشابة العشرينية "إيمان كمال" أن تتجاهل ثرثرة الجيران، ونظراتهم المتمحّصة كلما خرجت من باب بيتها الكائن شمال قطاع غزة.

تشارك إيمان في أداء أدوارٍ تمثيلية  بالعديد من الأعمال الدرامية، وهذا ما يراه المحيط "منافيًا للعادات والتقاليد المحافطة" التي لا تتقبل فكرة "الفن" كوظيفة، وخصوصًا للمرأة.

حاولت إيمان التأقلم مع الوضع القائم، غير آبهة لكل الانتقادات التي تلقتها وفق قاعدة "مهما فعلت لن ترضى عنك الناس"، فاستمرت في عملها، بل وحاولت المشاركة في المزيد من الأعمال الفنية، لإيصال رسالتها إلى المجتمع؛ لكن والداها أجبراها على ترك التمثيل بعد عامٍ ونصف من انخراطها فيه، "بعد زيادة حدة الانتقادات التي طالتهم نتيجة ذلك".

تقول لـ"شبكة نوى": "لا يزال قسمٌ كبيرٌ من أبناء مجتمعنا المحافظ، يُحبِط أي محاولة نجاحٍ للمرأة الفلسطينية إلا في إطار المنزل والمطبخ، لقد راعيت في عملي كمؤدية وممثلة، أن لا أتخطى العادات والتقاليد أبدًا، كانت لدي موهبة، وقررت أن أُبرزها من خلال المشاركة في أعمالٍ مسرحية ودرامية هادفة"، مؤكدةً أنها لا تجد اختلافًا بين عمل المرأة في مجال التمثيل، أو عملها في أي مجالٍ آخر كالطب أو الخياطة أو حتى التعليم.

تضيف: "المجتمع الفلسطيني بالعموم، يرفض فكرة عمل الفتاة في مجال التمثيل سواءً كان مسرحيًا أو دراميًا، أو حتى في أفلامٍ وثائقية، لأن هناك ثقافة راسخة في عقول أبنائه تتعلق بالوسط الفني "كفرصة للاختلاط غير المشروع بين الممثلين والممثلات" على غرار الأفلام والمسلسلات التي يشاهدونها عبر الشاشات العربية، تستدرك: "لكن هذه معتقدات خاطئة جدًا، وهدفها تشويه صورة العاملين في المجال الفني بغزة، نحنُ لا نتجاوز العادات والتقاليد، ولا نسمح باختلاط بين الجنسين على الإطلاق إلا في حدود العمل".

إيمان: "لم أتمكن من مخالفة قرار أبي، كانت الانتقادات والنظرات تحاصره، تركتُ المجال الفني وكلي حسرة، على أمل أن أعود إليه في المستقبل القريب"

وتخبر إيمان "نوى"، بصدمتها عندما أخبرها والدها بقراره أن تترك التمثيل، بسبب الانتقادات التي تعرض لها –سيما من قبل سكان المنطقة- معقبةً بالقول: "لم أتمكن من مخالفة رأيه، تركت المجال الفني وكلي حسرة، على أمل أن أعود إليه في المستقبل القريب".

مادلين الأحمد، هي الأخرى تعمل في مجال التمثيل منذ ما يزيد عن ثمانية أعوام، وقد شاركت في العديد من الأعمال الأفلام والأعمال الدرامية.

تعرضت في بداية مسيرتها إلى الانتقادات، وقبل عدة سنوات واجهت هجمةً شرسة من قبل بعض المصليات خلال صلاة تراويح، كونها تقمصت في أحد الأعمال الدرامية شخصية مستوطنة إسرائيلية!

توجهت مادلين نحو التمثيل كمصدر رزقٍ، في ظل الظروف الصعبة التي يشهدها قطاع غزة منذ عدة سنوات، لكن الحال انقلب، عندما أصبح لديها شغفٌ بالفن، وأتقنته حتى أصبحت تشارك في العديد من الأعمال الدرامية، ويتم اختيارها كبطلة في كثير من الأحيان لإتقانها الأدوار بشكلٍ جيد.

تقول لـ"نوى": "تعرضت في بداية مسيرتي، للكثير من الصعوبات والانتقادات، كوني جزء من مجتمعٍ محافظ يتمسك بالعادات والتقاليد، لكنني لم أستستلم".

واجهت مادلين الانتقادات وأثبت من خلال أعمالها الفنية، أنها تريد إيصال رسالة سامية، حتى أصبح هناك وعي من المجتمع المحيط، بأهمية دور المرأة في مجال الفن.

مادلين: "الفن ليس تحررًا من قيود المجتمع.. هو شغف ومهنة لكسب الرزق تمامًا كباقي المهن..  المرأة قديمًا كان ممنوعٌ عليها  العمل حتى في مجال الطب، لكنه اليوم  يقوم على وجود النساء.. الزمن كذلك كفيلٌ بالفن"

وتضيف: "عمل المرأة الغزية في مجال التمثيل ليس تحررًا كما يعتقد البعض، بل إنه شغف ومصدر رزق كأي مهنة أخرى، وبمقارنةٍ بسيطة، المرأة قديمًا كان ممنوعٌ عليها حتى العمل بمجال الطب أو الهندسة، لكن هذه المهن الآن أضحت قائمة على وجود النساء، وقد أحدثت بعضهن فارقًا كبيرًا فيها"، في إشارةٍ إلى أن مصير المجتمع تقبل الفكرة يومًا ما، "والمهم هو إيمان المرأة بالرسالة التي تقدمها، وفق الطريق الذي يقبله المجتمع والعرف".

وتبين الأحمد، أنها جسدت من خلال مشاركتها في الأعمال الدرامية المختلفة، نضال ومعاناة الشعب الفلسطيني على مدار سنوات عديدة من قهر واحتلال وفقر، وأيضًا في مجال الحياة الاجتماعية، "فكانت معظم الأدوار تتمحور حول أم أو ابنة أو أسيرة، وحتى مستوطنة إسرائيلية".

ريهام فتحي (34 عاماً)، تعمل في مجال المسرح منذ ثلاثة أعوام، واستطاعت أن تقنع زوجها، ومَن حولها بأن الفن رسالة سامية، ولا بد من إيصالها للآخرين.

تقول لـ" نوى": "هناك رفضٌ من قِبل المجتمع لاقتحام المرأة مجال التمثيل، بذريعة أنها  مهنة غير مناسبة لها، ويمكن أن تعرضها للاحتكاك بالرجال"، مضيفةً: "حسب المعتقد الشائع، فإن التمثيل يتطلب من الفتاة عرض مفاتنها أمام الجميع، وهذا ما دفع الكثير من الفتيات إلى ترك المجال بعد أول دور، رغم القدرات الكبيرة  التي امتلكنها في التمثيل، التي ضاهت في كثير من الأحيان قدرات الرجال".

ريهام: "الممثلات يحاولن الابتعاد قدر المستطاع عن الاحتكاك بالممثلين خشية اللغط، ويرتدين ملابس فضفاضة، لا تختلف عن الملابس التي ترتديها أي فتاة تسير في الشارع ولا تعمل في مهنة التمثيل".

وتواصل: "هناك انطباع خاطئ لدى مجتمع قطاع غزة حول عمل المرأة في هذا المجال، فالممثلات يلتزمن بالعادات والتقاليد، ويحاولن الابتعاد قدر المستطاع عن الاحتكاك بالممثلين خشية اللغط، كما يتجنبن كل المشاهد التي يمكن أن يصافحن فيها رجالًا، إضافة إلى أنهن يرتدين ملابس فضفاضة، لا تختلف عن الملابس التي ترتديها أي فتاة تسير في الشارع ولا تعمل في مهنة التمثيل"، وهذا كله في محاولة لإقناع المجتمع بأن هذه المهنة لا تتنافى وعادات المجتمع وتقاليده.

حياة وجمال

من جهته يقول المخرج الفلسطيني مصطفى النبيه: "غياب العنصر النسائي عن العمل الفني في قطاع غزة ترك مساحةً من الفراغ، فكان هناك نقصٌ واضحٌ رغم المحاولات من قبل الفنانين الشباب لتجسيد دور المرأة، من خلال ارتداء الحجاب، والملابس النسائية، إلا أن الخلل بدا واضحًا، والمشهد بقي مبتورًا".

ويضيف: "كان الشباب يقومون بتمثيل دور المرأة بشكل ساخر لا يعبر على الأغلب عن واقعها، ومع ذلك كانوا يجتهدون، إذ ليس أمامهم بديل"، مؤكدًا أن ولوج النساء إلى عالم التمثيل مؤخرًا داخل قطاع غزة، أضاف حياة وجمالًا للمشاهد الدرامية وحتى الكوميدية، "حيث استطاعت المرأة أن تكون شريكًا فعالًا في العمل، والتعبير عن قضاياها بصوت عالٍ".

المخرج النبيه: "نضطر إلى أن يقوم بتجسيد بعض أدوار النساء رجل، بما يناسب الواقع.. الناتج يظهر بجودةٍ أقل، مع ذلك نحاول المساهمة في بناء الفن، وتوعية الأجيال الجديدة بأهميته كرسالةٍ أولًا"

يزيد: "في بعض الأحيان، كان يفرض علينا السيناريو أن تكون الفتاة غير محجبة لتأدية دور معين، ولكن في ظل عدم وجود أو ندرة الممثلات غير المحجبات في قطاع غزة، نضطر إلى أن يقوم بتجسيد هذا الدور أحد الممثلين بما يناسب الواقع"، مردفًا بالقول: "نعلم أن الناتج يظهر بجودةٍ أقل، مع ذلك نحاول المساهمة في بناء الفن، وتوعية الأجيال الجديدة بأهميته كرسالةٍ أولًا، وهذا ما حرمنا منه بسبب نظرة المجتمع، ونتمنى أن يتغير عند أبناء الجيل الجديد".

ويؤكد المخرج، على ضرورة التكيف والانسياق للعادات والتقاليد في المشاهد التي تؤديها المرأة كممثلة داخل القطاع المحاصر، ذلك لإثبات سمو رسالة الفن، وتغيير وجهة نظر المحيط به كمهنة للنساء لا تنتقص من قدرها أو قيمتها.