رغم أنها حصلت على جائرة "امرأة فلسطين" التي أطلقتها وزارة شئون المرأة الفلسطينية في العام 2016م، إلا أن اسمها غاب عن الإعلام إلا في أخبارٍ خجولة أعلنت فوزها باللقب.
لم تكن السيدة "اعتدال الخطيب" تهتم أبدًا خلال الأربعة عقود التي استغرقتها رحلتها في العمل المجتمعي والأهلي، بأن تبرز باسمها وصورتها ليشير الناس إليها بالبنان، كانت فقط تبحث عن الأثر الناتج عن ما تقدمه من أجل خدمة المرأة الفلسطينية وتعزيز دورها ومكانتها داخل المجتمع.
تخفي هذه السيّدة خلف صورتها البسّامة الكثير من الأحداث والمنعطفات التي مرّت بها طوال سنين حياتها، بدءً من اعتقالها في مقتبل العمر كنقطةٍ مفصلية في حياتها، وليس انتهاءً باعتبارها واحدة من أهم الداعمات للنساء في فلسطين.. المزيد من التفاصيل داخل التقرير:
"العلم" هو المستقبل
ولدت اعتدال الخطيب في مخيم البريج وسط قطاع غزة بعد عدوان عام 1956م، تعلمت في مدارسها حتى أنهت الثانوية العامة بتفوق، تعلقت بالعلم تبعًا لاقتناعها بأنه الشيء الوحيد الذي لا يحتاج إلى قوة بدنية كبيرة كونها كانت مصابة بحساسية الصدر منذ ولادتها.
تقول عن تلك المرحلة لـ "نوى": "كنتُ لا أملك القدرة على اللعب كما أخوتي الصغار، فركنت إلى القراءة، كنت شغوفةً بها، ساعدتني على ذلك شقيقتي الأكبر مني سنًا، ومكتبة أخي الزاخرة بالكتب".
تطلعت الخطيب لإكمال مشوار العلم خارج الوطن، كانت سعادتها كبيرة حينما أُبلغت بقبولها في جامعة القاهرة في العاصمة المصرية، في حين لم تقف أسرتها أبدًا عائقًا أمام طموحها –وهذا من حظها- رغم حالة الفقر التي كانت تسيطر على كل عائلات المخيم في حينه.
تجربة الاعتقال
مرت سنوات الدراسة في القاهرة سريعة، حصلت اعتدال على بكالوريوس آداب، قسم فلسفة، ثم عادت إلى غزة على أمل الرجوع إلى القاهرة مجددًا من أجل إكمال الدراسات العليا، إلا أنها تعرضت للاعتقال فور عودتها من قبل سلطات الاحتلال.
تعُدُّ الخطيب تلك التجربة من أكثر التجارب التي أثرت فيها، بل غيرتها تماما كما تؤكد، وتقول: "قد تندهشون إذا ما وصَفتُ تجربة الاعتقال بالرائعة، لقد جعلت مني امرأة أكثر صلدًا وقوة، ولم أعد أكترث بشيء بعد ذلك.. كل الهموم أمام هم الاعتقال باتت صغيرة، صدقًا كانت بمثابة اختبار لشخصيتي".
تجربتا اعتقال، تعرضت لهما الخطيب لم تنجحا في انتزاع أي اعتراف منها، فتم الإفراج عنها بعد ختم هويتها ضمن 27 شخصًا –كانت المرأة الوحيدة بينهم- تستدرك: "ختم الهوية يعني أنني معرضة في أي وقت لاحق للاعتقال والمحاكمة دون تحقيق، أو حتى الإبعاد خارج الوطن، بالإضافة لفرض الإقامة الجبرية والتوقيع يوميًا على ذلك لعامين متتالين".
في ذلك الوقت، لم يكن من السهل تقبل اعتقال النساء بالنسبة للمجتمع المحيط، لا تزال الخطيب تتذكر غضب أمها وحزن أبيها، وابتعاد البعض عنها، تعلّق بالقول: "هذا زادني قوة، وعلمني عدم الاكتراث، ازددت صلابةً عن ذي قبل، وبدأت ألتمس العذر للجميع، فلا يجب علي أن أحمل الآخرين تبعات طريق اخترته، التجربة صقلت صوت العقل بداخلي وأصبح أكثر قوة".
لا تفصح الخطيب عن أسباب اعتقالها آنذاك، تضحك: "المهم، أنني لم أعترف بأي شيء أمام الجنود، لا أريد أن أتحدث عن السبب لأنني لست ممن يفخرون بالحديث عن بطولات سواء كانت حقيقية أو وهمية".
تجربة الاعتقال كانت لها تبعاتها من خسائر على المستوى الشخصي، إذ حرمت من السفر لاستكمال دراستها العليا، كما فشلت كل محاولاتها للعمل في سلك التعليم على مدار سنوات سبع، كانت تتقدم فيها كل عام للامتحان، ولا يُدرج اسمها ضمن المقبولين بحجة عدم المصادقة الأمنية.
هذه المعيقات أمام الحصول على عمل، لم تؤثر سلباً عليها، بل جعلتها تطرق سبلًا أخرى بعيدة عن العمل الحكومي الذي كانت تسيطر عليه إدارة الاحتلال، فلجأت للعمل الأهلي، "وكانت البداية بالعمل ضمن مشروع "الصمود" كأخصائية نفسية للأطفال، لتشخيص مشاكلهم النفسية من خلال اللعب وعلاجها بذات الطريقة" تزيد.
أرض الإنسان
بعد انتهاء المشروع سالف الذكر، كانت الخطيب قد نسجت علاقات مع مؤسسات المجتمع المحلي وأصبحت أكثر خبرة، وكان لمرضها منذ الولادة بالربو أثرًا إيجابيًا قادها نحو مستقبل عامر بالحياة والعمل. تقول: "ذات يوم في العام 1984م، فاجأني الطبيب الذي كان يتابع علاجي منذ ولادتي بعرض عمل مع مؤسسة سويسرية تهتم بمرضى الربو، وتفتتح فرعًا لها في قطاع غزة، وقد كان، وهذه المؤسسة هي ما أصبحت تعرف فيما بعد بمؤسسة أرض الإنسان".
عملت اعتدال الخطيب على مدار 26 عامًا في مؤسسة "أرض الإنسان"، بدأت الرحلة هناك كمنسقة مشروع، لتتدرج فيما بعد في المناصب، حتى أصبحت المدير التنفيذي للمؤسسة في الضفة الغربية وقطاع غزة، محققة ذلك نجاحات ملحوظة على مستوى الأسرة والطفل وأثر التغذية على النمو.
تبرر الخطيب عدم تواجدها وظهورها في الإعلام بشكل كبير، بأن الفترة الذهبية لعملها كان في وقتٍ لم يوجد به حتى الحاسوب، ولا وسائل التواصل الاجتماعي، تشير إلى هاتفها النقال وتضحك: "اليوم كل شخص يحمل في جيبه جيش من الإعلام"، متابعةً: "لم نكن نهتم بأن نظهر أو نبدو في وسط الصورة، كل ما كان يهمنا أن نرى أثر تدخلنا كمؤسسة.. كنت ولا أزال مقتنعة بضرورة أن يتصدر المواطن والمستفيد الصورة، ليتحدث عن أثر تدخلنا لا أن نتحدث نحن عنه".
عرفان كندا
إلى جانب عملها في مؤسسة أرض الانسان كانت الخطيب تعمل مديرةً لفرع مؤسسة "عرفان كندا" في قطاع غزة، والتي كانت تقدم مشاريع إغاثية وقت الحروب، مساعدات غذائية، ومساهمات في إعادة الإعمار، وتجهيز مستشفيات، ومشاريع تأهيل أراضٍ زراعية، وتمكين للمرأة ، وللأسرة عمومًا، ومشاريع إنتاجية، ومشاريع بنية تحتية، وخطوط صرف صحي، وغير ذلك، تتابع: "في كل شبر داخل قطاع غزة، هناك بصمة لما قدمته المؤسسة من خلال عملها الأهلي (..) كنتُ أتمنى أن يكون اليوم 72 ساعةً بدلًا من 24 ليكفي ما كنتُ أحاول تقديمه للناس من خدمات".
أكثر ما أحزن الخطيب، توقف مؤسسة "عرفان كندا" عن العمل داخل غزة، بسبب شكوى إسرائيلية بحقها، فتم إغلاقها في العام 2014م، نظرًا لعملها في فلسطين وما تقدمه من مساعدات للمواطنين، والمهجرين قسراً من بيوتهم في أعقاب الاعتداءات الإسرائيلية، سيما عام 2008م، و2012م، و2014م.
تذكر الخطيب أنه في عدوان عام 2008م على قطاع غزة، ورغم تقطيع أوصال المدن الفلسطينية، تواصلَت مع المؤسسة في كندا، وإدارة وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أنروا" وتمكنت من توفير مساعدات بما يقارب 35 مليون دولار.
رسالة آذار
تردف: "ليس من المهم أن أحمل شعار النسوية، الأهم أن أطبق فكر النسوية في برامجي، وخلال عملي، كيف أحمي حقوق العاملات؟ أن أهتم بتخصيص حضانات ملحقة بالمؤسسات، زيادة إجازة الأمومة التي يحتاجها الطفل والأم على حد سواء".
تأخذ الخطيب على بعض المؤسسات أنها تركز في عملها ومشاريعها على المرأة فقط، دون باقي الأسرة، وتعمل على علاج "العرض الظاهر"، ولا تبحث عن أصل المشكلة، وتتساءل: "كيف سأغير واقع المرأة بدون أن أدخل إلى مجتمعها الصغير؟ الزوج والأب والأخ، الذين يؤثرون في حياتها"، تستدرك: "هؤلاء يجب أن أبدأ بتغيير نمط تفكيرهم تجاه المرأة، فالمرأة إذا تغير تفكيرها لوحدها، ستصطدم بمجتمعٍ لا يستطيع استيعاب هذا التغيير".
